المعتزلة هم فرقة إسلامية كلامية ظهرت في أواخر العصر الأموي في مدينة البصرة جنوب العراق، وازدهرت في بداية العصر العباسي. وتُعد هذه الفرقة من أوائل الفرق الإسلامية التي نادت بتحكيم العقل في الأمور الدينية والفقهية، محققة توازنًا بين العقل والنقل، ومدافعةً عن الإسلام فكرًا وعقيدة ضد كل من خالفهم من أبناء الديانات الأخرى. وقد ساهمت معتقداتهم وأفكارهم في إعادة تشكيل التاريخ الفكري للإسلام والبدايات الأولى نحو نشوء الفلسفة الإسلامية.

▪︎أصل تسمية المعتزلة

اختلطت الروايات حول سبب تسمية هذه الفرقة بالمعتزلة. فوفقًا لبعض المصادر، تعود التسمية إلى بداية الفتنة الكبرى بين المسلمين، حيث اعتزل عدد من الصحابة الأحداث السياسية والفتن.
أما الرأي المرجح، فهو أن سبب التسمية يرجع إلى اعتزال واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد حلقة الحسن البصري نتيجة خلاف فكري معهم، وهو ما أدى إلى نشوء فرقة جديدة تعرف بالمعتزلة.

▪︎نشأة المعتزلة

على الرغم من أن المعتزلة لم يكونوا أول فرقة كلامية في الإسلام (فقد سبقتهم فرق مثل الجهمية والقدرية)، إلا أنهم اشتهروا بصياغة موضوعات علم الكلام بشكل متكامل.
فقد وضعوا أسسًا لمناقشة القضايا العقائدية والدينية ضمن إطار منطقي وفلسفي محدد، وركزوا على التفرقة بين علم السمع وعلم العقل. وقد وصفهم المفكر الإسلامي أبو المظفر طاهر بن محمد الأسفراييني بأنهم “أول فرقة أرسوا قواعد الخلاف”.

▪︎أفكار المعتزلة

أفكار المعتزلة ترتكز على خمسة مبادئ أساسية، والتي يجب الإيمان بها ليُعتبر الشخص معتزليًا:

1. التوحيد:
أكد المعتزلة أن الله واحد لا شريك له، ونفوا عنه الصفات المادية أو التجسيمية. وركزوا على أن القرآن مخلوق، أي أنه كلمات الله المقولة في وقت معين، وليس ذات الله.

2. العدل:
يرون أن الله عادل بالمطلق، ولا يجبر الإنسان على المعصية، بل الإنسان مسؤول عن أفعاله. فالجزاء والعقاب من الله مرتبط بالخير والشر الذي يختاره الإنسان، والله لا يأمر بما لا يطاق.

3. المنزلة بين منزلتين:
فكرة المعتزلة أن مرتكب الكبيرة يقع في منزلة وسطية بين الإيمان والكفر، وهي منزلة الفسق. وقد اختلفوا مع فرق أخرى في هذا المبدأ، مثل الخوارج الذين كفروا من ارتكب الكبيرة دون توبة، بينما اعتبر المرجئة أن المؤمن يظل مؤمنًا رغم ارتكابه للكبائر.

4. الوعد والوعيد:
الإيمان بوعود الله بالثواب ووعيده بالعقاب ضرورة. ويشمل ذلك قبول توبة التائبين، إذ لا يتم العفو دون توبة صادقة.

5. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
كان المعتزلة أشد الناس حرصًا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مدافعين عن الدين فكريًا وعقائديًا ضد المفسدين والزنادقة. وشددوا على أن النهي عن المنكر لا يكون إلا إذا لم يترتب عليه ضرر أعظم، ويجب تقدير القدرة على التأثير والاعتبار الأخلاقي قبل التدخل.

▪︎دور المعتزلة في الفكر والحضارة الإسلامية

برز المعتزلة بشكل واضح في القرن الثالث الهجري، حيث مثلوا النزعة العقلية في الفكر الإسلامي، ودافعوا عن مبدأ المساواة، خاصةً من بين الموالي وأصحاب الحرف.
وقد أثروا على الحياة الفكرية والسياسية منذ بداية العصر العباسي حتى القرن الخامس الهجري، رغم أن نجمهم خفت لاحقًا نتيجة معاداة بعض الخلفاء لهم، وطبيعة فكرهم النخبوي، أو بسبب استقوائهم بالسلطة في بداياتهم.

استطاعت المعتزلة أن تترك بصمة واضحة في الفكر الإسلامي من خلال منهجهم العقلي ونسقهم الأخلاقي، فكانوا ممثلين للنزعة العقلية خلال أوج الحضارة الإسلامية. كما سعوا إلى تنقية تصور الإنسان للألوهية من شوائب الحس المادي، معتمدين على العقل والمنطق لتفسير العقائد، وهو ما جعلهم من أهم الفرق التي ساهمت في بلورة الفلسفة الإسلامية وعلوم الكلام في العصر الإسلامي المبكر.