د.طارق عشيري
ارسل لي صديق مقال يتحدث عن المؤامرة المستمرة علي السودان فقلت له واهم من ظن ان الكيد والتربص بالسودان سيتوقف و القادم اكثر شراسه مما مضي لاننا
في عالم (تحكمه المصالح لا المبادئ) و(تديره موازين القوة لا الشعارات)، لا يمكن النظر إلى ما يجري في السودان (باعتباره مجرد أزمة داخلية عابرة). (فكلما طال أمد الصراع)، و(تعقدت مسارات الحل)، و(تعددت ساحات التأثير)، أصبح واضحاً( أن السودان يقف في قلب معادلة إقليمية ودولية تتقاطع فيها الأطماع)، وتتحرك حولها( حسابات النفوذ والسيطرة).
ليس السودان (دولة هامشية)يمكن أن تُترك لمصيرها؛ فهو بلد الموارد الضخمة، والموقع الاستراتيجي الحساس، والعمق الإفريقي والعربي الذي يجعله رقماً صعباً في توازنات المنطقة. ولهذا، كلما (ضعفت الدولة من الداخل)، اشتدت حولها دوائر التأثير من الخارج، بحثاً عن موطئ قدم، أو ضماناً لمصلحة، أو توظيفاً لأزمة.
لكن الحقيقة الأعمق أن المؤامرات لا تبدأ من الخارج… بل تجد طريقها (عندما تتصدع الجبهة الداخلية)، و(يغيب الاتفاق الوطني)،و(يغيب الحس الوطني)( الانتماء الجاد للتراب) ستجد الأطماع الخارجية طريقها للسودان
منذ اندلاع الحرب ، ظل سؤال يتردد في وجدان الشارع: هل ما يحدث مجرد صراع داخلي ؟، أم أن هناك مؤامرة مستمرة تستهدف الدولة وتماسكها؟ والواقع أن السودان، بحجمه الجغرافي، وموارده الضخمة، وموقعه الاستراتيجي، ظل دائماً في دائرة الاهتمام الدولي والإقليمي، حيث تتقاطع المصالح وتتصارع الأجندات.
فالسودان ليس دولة عادية في حسابات السياسة الدولية؛ فهو يمتلك أراضي زراعية شاسعة، وثروات معدنية هائلة، وعلى رأسها الذهب، إضافة إلى موقعه المطل على البحر الأحمر، الذي يمثل أحد أهم الممرات الحيوية في العالم. هذه المعطيات تجعل من استقراره أو ضعفه مسألة ذات تأثير مباشر على موازين القوى في المنطقة.
ولذلك، ليس من المستغرب أن تسعى قوى مختلفة إلى حماية مصالحها داخل السودان، سواء عبر الدعم السياسي، أو التأثير الاقتصادي، أو الانخراط غير المباشر في مسارات الصراع. فالدول لا تتحرك بالعواطف، بل بمنطق المصالح، وحيثما وُجد الفراغ، تسعى القوى المختلفة لملئه.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن أي تدخل خارجي لا يمكن أن ينجح ما لم (يجد بيئة داخلية هشة). فحين( تنقسم النخب)، و(تتعدد مراكز القرار)، و(تضعف مؤسسات الدولة)، ويتحول( الخلاف السياسي إلى صراع صفري)، يصبح الوطن نفسه ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الخارجية.
إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط الأطماع الخارجية، بل (حالة الانقسام الداخلي) التي جعلت من المصلحة الوطنية قضية مؤجلة. فالصراع على السلطة، وغياب المشروع الوطني الجامع، وتغليب الحسابات الضيقة، كلها عوامل أسهمت في إضعاف الدولة وإطالة أمد الأزمة.
المؤامرة الحقيقية ليست فقط ما يُحاك في الخارج، بل أيضاً( ما نصنعه بأيدينا) حين نختلف على الوطن، ونختلف داخله، ونختلف عليه.
إن المرحلة الراهنة تتطلب( وعياً وطنياً جديداً)، يقوم على إدراك أن (حماية السودان لا تكون بالشعارات)، بل بوحدة الصف، وبناء مؤسسات قوية، والاتفاق على حدٍ أدنى من الثوابت الوطنية التي لا تخضع للصراع السياسي.
السودان قد يكون محط أطماع، وقد تتقاطع حوله المصالح، لكن( المؤامرات لا تُسقط الدول القوية). (وحده الانقسام هو ما يمنح الآخرين فرصة العبث بمصير الأوطان). فإذا اتفق السودانيون على وطنٍ يسع الجميع، فلن تنجح أي مؤامرة، وسيبقى السودان أكبر من كل الأزمات وأقوى من كل التحديات. واقوي من اي خلاف او صراع، وسودان مابعد الحرب اقوي واجمل
