سبعون عاماً منذ استقلال السودان والسؤال اليوم متى تنتهي الحرب؟ لكن هناك سؤال آخر أكثر عمقاً لماذا لم تقم الدولة السودانية أصلاً؟ وهل الاستقلال كان حدث احتفالي لأزمة بنيوية متلازمة للدولة السودانية؟ نعم مرت سبعة عقود على رفع العلم السوداني مما يكشف أن الأزمة السودانية ليست مجرد عثرات سياسية عارضة بل فشل بنيوي في عملية بناء الدولة، لقد غادر المستعمر البريطاني في 1956م تاركاً وراءه جهازاً إدارياً لكنه لم يترك أمة بالمعنى السياسي المتوافق عليه، وهو الفراغ الذي عجزت النخبة الوطنية عن ملئه، مفضلة الصراع على السلطة على صياغة الهوية.

فشل بناء السودان مركزية قابضة أم اغتراب الهامش
إن أزمات السودان نتاج مباشر لنموذج الدولة المركزية الذي ورثته النخب من الاستعمار وطورته لخدمة مصالحها ففشلت النخب بسيطرتها على الخرطوم بديلاً للانجليز في تقديم تعريف شامل لـلسودانوية بفرض هوية أحادية ثقافية أو عرقية أو دينية في فترات مختلفة على مدينة شديدة التعدد مما حول التنوع في الخرطوم من ثراء قومي إلى فتيل للتفجير في كل السودان.

جغرافيا الإقصاء
لم يكن التهميش مجرد نقص في الخدمات بل كان إقصاء هيكلي جعل من الأطراف (دارفور، الجنوب سابقاً، الشرق، وجنوب كردفان مجرد مناطق جباية أو ساحات حرب، هذا التوزيع غير العادل للقوة والثروة خلق شعوراً باللاانتماء للدولة، مما جعل البندقية الوسيلة الوحيدة لفرض الاعتراف السياسي.

النخب السياسية من الشرعية التاريخية إلى الارتزاق السياسي

يمكن تقسيم النخب السودانية التي أدارت المشهد إلى ثلاث فئات، فشلت جميعها في العبور بالبلاد إلى بر الأمان:
– القوى التقليدية (الطائفية): اعتمدت على “الولاء الصوفي والقبلي” الموروث، مما أعاق تحول الأحزاب إلى مؤسسات ديمقراطية حديثة. ظلت هذه الأحزاب رهينة لبيوتات محددة، مما جعل التداول السلمي للسلطة داخلها مستحيلاً، فكيف بها خارجها؟
– الأيديولوجيا الشمولية (اليسار واليمين): أدخلت السودان في نفق الإقصاء المتبادل. وتعتبر تجربة “الإسلام السياسي” (1989-2019) النموذج الأوضح لاستخدام الدولة كأداة لتمكين تنظيم بعينه، مما أدى لتآكل مؤسسات الدولة (الجيش، الخدمة المدنية، القضاء) لصالح الولاء التنظيمي.
– نخب الكفاح المسلح: يُظهر التحليل السلوكي للعديد من الحركات المسلحة أنها تحولت من حركات تحرر إلى “شركات أمنية وسياسية”. أصبحت هذه النخب تستخدم آلام الهامش للمساومة على مناصب في المركز، وهو ما يُعرف بـ “المحاصصة السلطوية” التي تُعيد إنتاج الأزمة ولا تحلها.

عسكرة السياسة وتسييس العسكر.. الحلقة المفرغة

إن التداخل العضوي بين المؤسسة العسكرية والعمل السياسي هو العقب الأخيل في جسد السودان.
انقلاب المفاهيم
بدلاً من أن يكون الجيش حامياً للدستور، أصبح هو صانع الدستور أو منقلباً عليه.
– تعدد الجيوش: في المشهد الراهن يبرز خطر تعدد الفاعلين العنيفين، إن وجود جيوش موازية أو ميليشيات عرقية هو النتيجة الحتمية لفشل الدولة في احتكار العنف المشروع، مما حول الصراع من “خلاف سياسي” إلى “حرب وجودية” تهدد بتفتيت ما تبقى من البلاد.

التدويل القسري.. السيادة تحت الوصاية

بسبب عجز النخب الوطنية عن الوصول إلى اتفاق الحد الأدنى، أصبح السودان في 2026 ساحة جيوسياسية بامتياز.
– الارتهان للخارج: تحول الفاعلون المحليون إلى وكلاء لقوى إقليمية ودولية هذا التدويل جعل الحلول لا تُصنع في الخرطوم أو مدني أو بورتسودان، بل في عواصم القرار الدولي، مما أفقد السودان سيادته الوطنية الفعلية وجعل أزمته جزءاً من توازنات دولية لا تضع مصلحة المواطن السوداني في أولوياتها.

خاتمة واستشراف: الطريق نحو الجمهورية الثانية
إن التحليل الأكاديمي والواقع الميداني في 2026 يشيران إلى أن الترقيع السياسي لم يعد ممكناً  إن المخرج الوحيد لتفادي الانهيار الكامل للدولة يتمثل في:
1.  المؤتمر التأسيسي الوطني: ليس لتقاسم السلطة، بل لتعريف “ماهية الدولة” وصياغة دستور دائم يقر بالفيدرالية الحقيقية.
2.  إصلاح القطاع الأمني: بناء جيش مهني واحد بعيد عن الأدلجة والسياسة، وتسريح ودمج كافة الميليشيات وفق معايير وطنية صارمة.
3.  العدالة الانتقالية: لا يمكن تجاوز جراحات الماضي (منذ 1956 وحتى حروب 2023-2026) دون محاسبة واعتراف، لضمان عدم تكرار دورة العنف.

خلاصة القول: إن السودان لا يعاني من فقر في الموارد، بل من تخمة في الأطماع وفقر مدقع في الخيال السياسي لدى نخبه إن استقلال 1956 لن يكتمل إلا عندما يتحرر القرار الوطني من قبضة المحاصصات، وتتحول البندقية من أداة للوصول إلى القصر، إلى سياج يحمي المواطنة المتساوية.