د. امانى احمد خالد

تُعد الزكاة ركنًا أصيلًا من أركان الإسلام، لا يكتمل بناء المجتمع المسلم إلا بإقامتها  بوجهها الصحيح، فهي ليست مجرد عبادة فردية، بل نظام اقتصادي واجتماعي يحقق التكافل ويعيد توزيع الثروة. ومن هنا، كان التعامل معها عبر التاريخ مقياسًا لمدى التزام الدولة والمجتمع بقيم العدل والمسؤولية.
و عندما وقف أبو بكر الصديق رضي الله عنه موقفه الشهير قائلاً: “والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه”، لم يكن يتحدث عن مال زهيد، بل عن ركن من اركان الدين و مبدأ عظيم. فقد أدرك أن التفريط في الزكاة  في أقل صورها—هو بداية لانهيار منظومة الطاعة، وفتح لباب التمرد على شرع الله. لذلك جاء موقفه حازمًا لا يقبل التهاون، حفاظًا على وحدة الدولة وهيبة الشرع، ورباطًا بين العبادة والنظام العام.
في المقابل، يبرز موقف حديث   رئيس الوزراء السودانى كامل ادريس يتمثل في قرار إعفاء التجار من دفع الزكاة لثلاث سنوات سابقة تحت مسمى جبر الضرر للتجار ، وهو موقف—وإن كان قد يُبرَّر بظروف اقتصادية أو سياسية تمر بها البلاد—إلا أنه يثير تساؤلات عميقة حول حدود الاجتهاد في قضايا تمس ثوابت الدين. فالزكاة ليست ضريبة يمكن إسقاطها أو تأجيلها وفق الرؤى الاقتصادية، بل عبادة مفروضة، ترتبط بحقوق الفقراء والمحتاجين قبل أن ترتبط بخزينة الدولة. واخراج الزكاة سبب في زيادة المال ولا يخفي علي السودانيين صرف الزكاة على برامج ومشروعات تلبي حاجة الفقراء في الحرب خاصة القوات المسلحة والقوات المساندة الذين  دافعوا عن حياض الوطن  ومراكز الايواء والعلاج والعودة الطوعية وما الى ذلك
إن المقارنة بين الموقفين تكشف عن فارق جوهري في الرؤية:
فموقف أبي بكر يقوم على حماية المبدأ ولو كلّف ذلك المواجهة، بينما يعكس القرار المعاصر تغليب الاعتبارات الظرفية على الالتزام الصارم بالنص. وبين هذا وذاك، يظل السؤال قائمًا: هل يمكن معالجة الأزمات الاقتصادية عبر تعطيل ركن من أركان الدين، أم أن الحل يكمن في تعزيز الالتزام به بوصفه أحد مفاتيح الزيادة و البركة والتنمية  والاستقرار؟
لا شك أن الدول قد تمر بظروف استثنائية تستدعي التخفيف عن الناس، لكن هذا التخفيف ينبغي أن يكون منضبطًا بضوابط الشرع، كإعادة جدولة الأداء أو توجيه المصارف، لا بإسقاط الفريضة ذاتها. فالتجربة التاريخية تُثبت أن قوة المجتمعات لا تُبنى بالتنازل عن المبادئ، بل بالتمسك بها مع حسن التدبير.
وفي الختام، فإن استحضار موقف أبي بكر رضي الله عنه ليس مجرد استدعاء لحدث تاريخي، بل هو تذكير بمعيار ثابت: أن الحقوق الشرعية لا تخضع للمساومة، وأن إقامة العدل تبدأ من احترام الواجبات قبل البحث عن الأعذار. فبقدر ما نتمسك بهذه القيم، نؤسس لمجتمع متماسك، لا تهزه الأزمات ولا تضعف إرادته أمام التحديات.