د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com
في إطلالة بعلامات استفهام خرج علينا الدكتور كامل إدريس رئيس مجلس الوزراء بتصريحات عبر قناة الجزيرة يبشر فيها السودانيين بحوار شامل الشهر المقبل تمهيداً لإجراء انتخابات، ورغم نبرة التفاؤل التي اتسم بها حديثه إلا أن هذه التصريحات اصطدمت بجدار من التشكيك الشعبي والسياسي وتفتح الباب أمام سيل من الأسئلة التي تبحث عن إجابات واقعية لا “دبلوماسية”.
السؤال الأول الذي يتبادر إلى ذهن أي مراقب للمشهد السوداني المتشظي هو من هي الأطراف التي ستجلس على طاولة هذا الحوار الشامل؟ في ظل استقطاب حاد وصراع مسلح طحن الأخضر واليابس وانقسامات رأسية وأفقية داخل القوى المدنية والعسكرية على حد سواء، يبرز التساؤل هل نجح د. كامل في إقناع الأطراف المتصارعة بوضع السلاح جانباً؟ أم أنه حوار سيجمع المتفقين أصلاً ويقصي الفاعلين الحقيقيين على الأرض؟ إن غياب الخارطة التفصيلية للمشاركين يجعل من كلمة “شامل” مجرد مفردة لغوية تفتقر للغطاء السياسي.
وإذا تجاوزنا معضلة المشاركين نجد أنفسنا أمام سؤال الأجندة حوار حول ماذا؟ هل هو حوار لتشكيل حكومة انتقالية جديدة؟ أم حوار لوقف إطلاق النار؟ أم هو نقاش حول الدستور؟ إن طرح فكرة الحوار دون تحديد “قضايا النزاع الجوهرية” يجعله يبدو وكأنه قفزة فوق الجراح، ومحاولة لترحيل الأزمات بدلاً من حلها.
أما النقطة الأكثر إثارة للدهشة في تصريح د. كامل الربط بين حوار الشهر المقبل والتمهيد لانتخابات قريبة وهنا يحق للمواطن السوداني أن يتساءل كيف يمكن إجراء انتخابات في بلد يعاني نصف سكانه من النزوح واللجوء؟ ومن هي الجهة التي ستشرف على تأمين صناديق الاقتراع في مدن لا تزال أصوات المدافع فيها تعلو فوق كل صوت؟ إن الحديث عن انتخابات في ظل الوضع الأمني واللوجستي الراهن يبدو في نظري ضرباً من الخيال السياسي الذي يتجاهل أبسط قواعد الواقع.
يبقى السؤال الجوهري الذي يطرحه الشارع بمرارة لماذا تأتي تصريحات د. كامل إدريس دائماً بصبغة حالمة بعيدة عن تعقيدات الواقع السوداني؟ هل هي محاولة لرسم صورة وردية أمام المجتمع الدولي وقنوات الإعلام العالمية؟ أم هو انفصال عن نبض الشارع الذي يبحث عن الأمان والخبز قبل صناديق الاقتراع؟ د. كامل، بخلفيته القانونية والدولية الواسعة، ربما لا يزال ينظر للأزمة السودانية من منظور الغرف المغلقة والبروتوكولات الدولية، متناسياً أن الحل في السودان يتطلب مواجهة الحقائق المرة على الأرض، وليس الهروب إلى الأمام بوعود زمنية (الشهر المقبل) يدرك الجميع صعوبة تحققها.
بين وعود الحوار والانتخابات وبين واقع الحرب والتمزق تظل تصريحات د. كامل إدريس معلقة في فضاء التمنيات، السودان اليوم لا يحتاج إلى تصريحات إعلامية مبشرة بقدر ما يحتاج إلى خطوات عملية شفافة وواقعية تلامس جذور الأزمة فهل يملك د. كامل مفاتيح هذا الحوار فعلاً؟ أم أن الشهر المقبل سيكون مجرد موعد جديد لخيبة أمل أخرى؟
