إعداد/ د.مهند عثمان التوم
الزكاة ليست مجرد ركن من أركان الإسلام الخمسة تؤدى بواجب مالي بل روح تنبض في جسد الأمة وعصب حياتها الاجتماعية والاقتصادية ومنارة تضيء دروب المحتاجين والمتضررين، خاصة في أوقات الشدة والأزمات لقد أكد الإسلام على صلاحية أحكامه لكل زمان ومكان وتتجلى هذه الصلاحية بوضوح في قدرة الزكاة على التخفيف من وطأة الكوارث الإنسانية، كما نشهد اليوم في الحرب الدائرة في السودان حيث يتجلى دور الزكاة كشريان حياة للمتضررين.
> الزكاة: الركن الروحي والاجتماعي
تُعد الزكاة تطهيراً للمال ونماءً للبركة وتزكيةً للنفس من الشح والبخل وهي إقرار عملي بأن المال مال الله والإنسان مستخلف فيه فالله تعالى لم يقرن فريضة بعبادة الصلاة في القرآن الكريم كما قرن بها الزكاة، للدلالة على عمق الترابط بين العلاقة العمودية مع الخالق، والعلاقة الأفقية مع المخلوق.
يقول الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (البقرة: 110).
وقال صلى الله عليه وسلم: 《بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً”》(متفق عليه).
هذه الفريضة لا تقتصر على الجانب المادي فحسب بل تمتد لتغرس قيم التكافل والتعاضد والمواساة في نفوس المسلمين لتجعل منهم جسداً واحداً وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم هذا الترابط بقوله: 《مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى》 (متفق عليه) والزكاة هي إحدى الأدوات العظمى لتحقيق هذا التوحد والتراحم.
> الزكاة في زمن الحرب: شريان حياة للمتضررين
عندما تندلع نيران الحرب تتحطم معها البنى التحتية وتتهدم البيوت وتُشرد العائلات ويفقد الناس مصادر رزقهم ويصبحون بلا مأوى أو طعام أو دواء في مثل هذه الظروف العصيبة تبرز الزكاة كآلية إغاثية فورية ومستدامة قادرة على سد الفجوة الهائلة في الاحتياجات الإنسانية.
في السودان حيث تشهد البلاد صراع أليم يعاني ملايين الأشخاص من الجوع والنزوح والمرض، قدمت فيه الزكاة يد العون والمساعدة لأولئك الذين فقدوا كل شيء:
1.إغاثة النازحين واللاجئين: وفرت الزكاة المأوى المؤقت والغذاء والماء الصالح للشرب ومستلزمات الحياة الأساسية لملايين الفارين من مناطق الصراع.
2.الدعم الطبي والعلاجي: مولت الزكاة شراء الأدوية والمستلزمات الطبية ودعم المستشفيات والعيادات الميدانية التي تقدم الرعاية للجرحى والمرضى ممن لا يجدون سبيلاً للعلاج.
3.إعانة الفقراء والمساكين: فئات الزكاة الثمانية المذكورة في القرآن الكريم تتناسب تماماً مع احتياجات ضحايا الحرب. قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ》 (التوبة: 60).
– الفقراء والمساكين:هم الأسر التي فقدت معيلها ومصدر رزقها بسبب الحرب.
– ابن السبيل: يشمل كل من انقطع به السبيل عن بلده أو ماله، وهم النازحون والمهجرون الذين تقطعت بهم السبل.
– في سبيل الله: قد تشمل الجهود الإغاثية والإنسانية التي تهدف إلى إعلاء كلمة الله ورفع المعاناة عن عباده، وهي واسعة لتشمل دعم المتضررين من الحرب.
4.توفير الكرامة والأمل: الزكاة ليست مجرد مال يُعطى بل هي رسالة أمل للمحتاج بأن الأمة لم تنسه وأن يد العون ستمتد إليه، هذا الجانب المعنوي لا يقل أهمية عن الجانب المادي في أوقات الكوارث.
> الأدلة الشرعية على دور الزكاة في الأزمات
لم تترك الشريعة الإسلامية أي ثغرة فقد جاءت أحكامها شاملة ومتكاملة لتواجه كل الظروف، حث القرآن على الإنفاق في السراء والضراء:**
يقول الله تعالى:{الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران: 134). وهذا يشمل الإنفاق في أوقات الشدة مثل الحرب، الأحاديث النبوية التي تؤكد فضل مساعدة المحتاجين، قال صلى الله عليه وسلم: 《الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله》(رواه البخاري ومسلم). وهذا الحديث يرفع من شأن من يعيل المتضررين إلى مرتبة الجهاد، فكيف إذا كان هؤلاء الأرامل والمساكين من ضحايا الحرب؟ وقال صلى الله عليه وسلم: 《من فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة》(متفق عليه). وأي كربة أعظم من كرب الحرب والنزوح وفقدان الأهل والأرزاق؟ وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 《ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد؛ إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى》 (رواه البخاري ومسلم) وهذا الحديث يصور الأمة ككيان واحد، والزكاة هي ميكانيزم تفعيل هذا التراحم عمليًا.
> الزكاة: صلاحية لكل زمان ومكان
إن مبدأ الزكاة لا يتقادم بمرور الزمن ولا يحده مكان فمنذ فرضها كانت حلاً للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية في كل مجتمع إسلامي، وهي اليوم، في ظل الأزمة السودانية ثثبتت قدرتها على التكيف والمرونة لتلبي الاحتياجات مع مراعاة الأولويات العاجلة والملحة التي تفرضها ظروف الحرب.
**الخاتمة**
إن الزكاة هي بحق روح المسلم التي تعكس عمق إيمانه وتجسد قيم الرحمة والتكافل التي جاء بها الإسلام، في زمن الحرب كما هو الحال في السودان تحولت هذه الفريضة من مجرد واجب مالي إلى شريان حياة ينبض بالأمل وغطاء دافئ يحمي الضعفاء، ويد حانية تمسح دموع اليتامى والثكالى كحق معلوم للسائل والمحروم وهي دليل قاطع على أن ديننا الحنيف يحمل في طياته الحلول لكل أزمات البشرية، وأن أحكامه صالحة لكل زمان ومكان تجعل من الأمة جسد واحد متراحم متكافل حتى في أحلك الظروف وأشد المحن.
