تردد في أروقة السياسة الإقليمية روايات متداخلة عن “مشروع” يستهدف تفكيك دول ساحل البحر الأحمر لفتح مجال نفوذ بحري وأمني جديد. تقول الروايات إن أطماعاً إقليمية ودولية تستفيد من الفوضى في السودان واليمن والصومال لإعادة تشكيل خرائط النفوذ. هذا التحقيق يجمع الأدلة المتاحة، يقوّم المزاعم، ويجيب على أسئلة مركزية: من يقف خلف هذه التحركات؟ من المتضرر الأكبر؟ وما احتمالات تشكّل تحالف دفاعي عربي ـ إقليمي لاحتواء المخاطر؟

الوقائع والمحاور الرئيسية

1) الوقائع على الأرض
– السودان: صراع مسلح داخلي مستمر منذ أبريل 2023 أضعف القدرات الحكومية وأخلّ بالأمن عند حدود الموانئ والنهر، ما سمح لتدخلات مسلحة ومحلية تظهر وتحرك على المحاور الاستراتيجية. 
– اليمن: انهيار مؤسسات الدولة ووجود فصائل عدة (شمالاً وجنوباً) أعاد تعريف السيطرة على مضيق باب المندب والمنافذ البحرية. 
– الصومال/صوماليلاند: الاعترافات الأحادية والتحركات الدبلوماسية والتنموية أبقت ملف شرعية الحدود والسيادة البحرية محل جدل. 
– إريتريا والجيوب الساحلية: زيارات وقواعد وإصلاحات في البنية التحتية البحرية لفتت انتباه جيرانهم والدول الكبرى.

2) من يقف وراء الادعاءات؟
– اتهامات متداخلة تتصل بدول إقليمية (خاصة دول خليجية وإقليمية منافسة للأجندات التركية والإيرانية) وبعض شركاء غربيين وإقليميين. 
– لا توجد وثائق علنية قاطعة تثبت أن دولة واحدة تقود مشروع تفكيك منهجي؛ الأمر مبني على تراكم مؤشرات (تحركات سياسية، دعم جهات محلية، اتفاقات أمنية سرية مذكورة في تقارير غير مؤكدة).

3) مصالح إسرائيل والدور البحري والأمني
– مصالح إسرائيل في حرية الملاحة، قواعد معلوماتية واستخبارية ومنع تهديدات من جماعات مسلحة ليست جديدة. لكن تحويل هذا إلى “مشروع تفكيك” يتطلب أدلة ملموسة على تنسيق طويل المدى ودعم محلي مباشر، وهي غير متاحة بشكل علني. 
– الاعترافات أو التقارب الدبلوماسي مع كيانات مثل صوماليلاند يثير مخاوف بعض الدول الإقليمية لكنه لا يثبت بالضرورة مؤامرة منظمة لتقسيم دول.

4) من الأكثر تضرراً؟
– بمقارنة الأوضاع، يظهر أن الخسائر الفورية والأكثر وضوحاً تقع على دول داخلية هشة: السودان واليمن والصومال. لكن على مستوى الإقليم: 
  – مصر: مهددة استراتيجياً لأن أي تغيير في سيطرة الممرات البحرية أو قواعد بحرية قرب البحر الأحمر قد يؤثر على أمنها القومي وطرق الطاقة. 
  – السعودية: مهددة اقتصادياً وجغرافياً، خصوصاً لو تأثرت خطوط الملاحة وتأمين مضيق باب المندب. 
  – استنتاج التحقيق: السودان يعمل كخط دفاع متقدم فعلياً لثلاثي المصالح (ممرات بحرية وجغرافيا إستراتيجية)، لكن الضرر الأطول أجلاً قد يمتد لأهداف كبرى كـمصر والسعودية إذا استمر التفك وعدم الاستقرار.

الأدلة الداعمة والمتناقضة
– أدلة داعمة: تحركات مسلحة محلية، صفقات أمنية ثنائية مبهمة، زيارات دبلوماسية مكثفة، وتحولات في الاعترافات الدبلوماسية. 
– أدلة متناقضة/ناقصة: غياب تسريبات موثوقة عن خطط مركزية لإعادة ترسيم حدود؛ عدم وجود وثائق رسمية تثبت دعم خارجي من دولة بعينها لمنظمات تفكيكية؛ مصالح متعارضة داخل كل لاعب إقليمي تعقد إمكانية تنسيق طويل المدى.

مواقف فاعلين وأسباب احتمالية التحالفات
– لماذا قد تسعى دول مثل مصر والسعودية إلى تحالف مع السودان وتركيا؟ لحماية الممرات، استعادة استقرار الحدود، والحفاظ على مصالح الطاقة والتجارة. 
– لماذا قد تتردد دول أخرى؟ الخلافات الإقليمية (الإمارات، قطر، تركيا، إريتريا) وتنافس النفوذ يجعل تحالفاً متعدد الأطراف مع سقف واحد صعب التحقيق دون تنازلات.

توصيات وتحركات عملية مستخلصة
– ضرورة تحقيقات مستقلة وعلنية في مزاعم دعم جماعات مسلحة أو سرقات نفوذية من الخارج. 
– تعزيز آليات حماية الموانئ والبِنى التحتية الحيوية في السودان واليمن والصومال بمبادرات دولية وإقليمية شفافة تحت مظلة الأمم المتحدة أو الاتحاد الإفريقي. 
– حوار إقليمي سريع يضم مصر والسعودية والسودان والدول الساحلية (بما في ذلك إريتريا والصومال) لتأسيس قواعد تصعيد ومراقبة مشتركة للملاحة والأمن البحري. 
– توثيق وتحليل زيارات القادة والاتفاقات الثنائية علنياً لخفض تكهنات المؤامرات.

خلاصة استقصائية قصيرة
لا ثمة دلائل علنية قاطعة تثبت وجود مشروع مموّل ومخطط له مركزياً لتفكيك دول ساحل البحر الأحمر يقوده طرف واحد. ما يتوافر هو مشهد معقد من نزاعات محلية، مصالح إقليمية متضاربة، وتفاعلات دبلوماسية تؤدي إلى حالة غياب للثقة. السودان يتعرض لأكبر الضرر الفوري كـ”خط دفاع متقدم”، بينما مصر والسعودية معرضتان لآثار مستقبلية جسيمة إذا استمر تفك الاستقرار. الطريق العملي يتطلب تحرّكاً إقليمياً منسقاً وشفافة لتحقيق استقرار البحر الأحمر ودرء أطماع قد تستفيد من الفوضى.