د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com
في خضم التجاذبات السياسية المعقدة والانتكاسات المتتالية لمسارات الانتقال الديمقراطي في السودان، يتبادر إلى الذهن مثل شعبي قديم لا يزال يصدح صداه في أروقة النقاش العام: (كما تكونوا يولى عليكم؟ أم كما يولى عليكم تكونوا؟) هذه المعادلة الفلسفية تضعنا أمام مفترق طرق حقيقي لتحديد الفاعل الأساسي في رسم مسار السودان، هل هو وعي الشعب وإرادته الجماعية أم هو تصرف النخب السياسية والأحزاب الحاكمة أو الطامحة للحكم؟
لقد أثبت الشعب السوداني في أكثر من محطة تاريخية بدءاً من ثورتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985 وصولاً إلى ثورة ديسمبر 2018 المجيدة قدرته الفائقة على صنع التاريخ حينما يقرر أن يكسر قيود الواقع ويستعيد زمام المبادرة، تلك اللحظات التاريخية برهاناً ساطعاً على أن الشعب السوداني عندما يتوحد وتتضح رؤيته يمتلك القوة الكامنة لفرض إرادته وتغيير أنظمة الحكم، فهل يزال هذا الشعب قادراً على رسم مساره بنفسه أم أن عوامل التفكك والإحباط باتت تثقل كاهله؟ بعد أن ولدت ثورة ديسمبر حرب أبريل.
الأحزاب السياسية دائماً ما تبرز كفاعل تقليدي في المشهد السوداني ويفترض أن تكون أدوات لتنظيم الإرادة الشعبية وتجسيد تطلعاتها، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة اليوم هو هل الأحزاب السودانية بما هي عليه الآن وطنية حقاً؟ وهل ما زالت تمثل مصالح الأمة ككل أم أنها غارقة في صراعات داخلية ومنافع ضيقة تجعلها تصنع التاريخ من أجل مصالحها الخاصة، لإن تجارب الانتقال الفاشلة والتشرذم الذي ساد بين القوى السياسية وعدم قدرتها على التوحد حول رؤية وطنية جامعة يثير الشكوك حول مدى وطنية الأحزاب. فالمشهد الحالي أظهر الأحزاب بأدائها الحالي كجزء من المشكلة لا الحل وأنها خانت الأمانة الوطنية التي أودعها فيها الشعب.
الشعب في ظل الحرب الجارية الآن منقسماً متفرجاً مستسلماً، فمن الطبيعي أن يُولّى عليه من لا يمثل طموحاته فحتي حكومة الأمل تبخرت لأن النخب السياسية فيها غلبت بالانا الذاتية فصاغت واقعاً أثر سلباً على وعي الشعب وتطلعاته.
السودان اليوم في حاجة ماسة إلى صحوة جماعية صحوة من الشعب لإعادة اكتشاف قوته ووحدته والمطالبة بنخب سياسية تعكس تطلعاته، وصحوة من الأحزاب لإعادة تقييم ذاتها وتجاوز خلافاتها والارتقاء إلى مستوى التحديات الوطنية التي تقتضي التضحية بالمصالح الضيقة لأجل الوطن الأوسع، فمستقبل السودان ليس رهناً بأيدي قلة بل مسؤولية مشتركة تتطلب من الجميع شعباً وأحزاباً أن يعيدوا تحديد بوصلتهم نحو بناء سودان يستحقه أبناؤه.
