ممدوح حسن عبد الرحيم
إن حرب السودان التي شردتنا من البيوت قد اتاحت لنا افقا جديدا وبصرا حديدا وازاحت عن أنفسنا صخرا عنيدا وغسلت من ادراننا مضغة سوداء رانت على قلوبنا امدا بعيدا وجعلتنا ننظر من حولنا أمرا عجيبا ما كنا سوف نراه حتى يوسد جسدنا في التراب وحيدا
لقد كنا نضخم ذاتنا ونعتقد أننا نسيجا فريدا وكنا نمشي على الأرض مرحا ونطأ الثريا وهما عجيبا قطعا ماكنا ندرك سر الحياة وانها في قبضة الرحمان يقلبها حيث يشاء ويقول لها كوني وتكون له مجيبا
لم نكن ندري ان وراء الكدح والعناء انفس شريفة وأيادي نظيفة وأسر صابرة عفيفة ظلت تغلق عليها بابها فلا ترى منها عورة ولا تفليسا راضية مرضية تنام طاوية البطن حبيسة ولكنها تجد عند ربها قوتا وشرابا سائغا وريفا
تخرج من بيتها في كامل اناقتها نظيفة يحسبها الجاهل من التعفف غنية تملك الدنيا وعندها رخيصة
لقد شاءت إرادة الله ان نخرج من قمقم انفس كانت حبيسة فإنكشف الغطاء فجأة ورأينا لأول مرة اشراقها وما كان خفيا
عرفنا انه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان وليس بالقصر المنيف يكون الأمان ولا بالعربة الفارهة يطمئن الوجدان عرفنا انها أدوات الشيطان
حيث نزحنا في حي بسيط وفي مسجده تعرفت على رجل نظيف الثياب كثير الترحاب
كنت أراه مرتاح البال طلق الوجه عند السؤال لبق لطيف المقال لا تمله باي حال فكنت احسب انه صاحب سلطان ومال وهكذا نحن اهل الجاهلية نقدر الأحوال ولا نرى غير المادة سعادة للأهل والعيال
دلفت اليوم الي احد المحلات التجارية لمعرفة أسعار الثلاجات والمكيفات فقد سرقت من بيتنا بفعل المليشياء والعصابات دون رحمة ولا شفقة وقد كسروا الأبواب وأحدثوا الفوضى والخراب
وبعد أن عرفت الأسعار ووقفت كحمار الشيخ في العقبة محتار هممت بالخروج قبل أن يصيبني الدوار فإذا بي أرى صاحبي الذي يصلي معنا في المسجد وكنت أظنه من أصحاب المال والدولار فإذا به يدفع أمامه درداقة عليها حمل يعجز عن حمله الأبطال فقد كان عامل درداقة بإختصار
كان يدفعها أمامه مبتسم الوجه واثق الخطي كأنما يسوق الدنيا بحذافيرها ويعزف الاوتار
هو هو إذن صاحبي النظيف العفيف عامل درداقة شريف
عزفت نفسي عن الثلاجات والمكيفات والبهرجات
فقلت في نفسي ماذا يعني ماء بارد فرات وماذا يعني حفظ طعام قد فاض وأصبح فتات
وماذا يعني نسيم عليل إذا كان القلب مات
لملمت اطرافي وغضضت طرفي حتى لا يراني
سلام عليك عامل الدرداقة ملك الأناقة الآن الآن عرفت وفي السماء رزقكم وما توعدون
وان لقمتنا ان كانت مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة او في السماوات أو في الأرض يأتي بها الله لقمة مشبعة مباركة
