الدرداقة

ديسمبر 11, 2025

ممدوح حسن عبد الرحيم
إن حرب السودان التي شردتنا من البيوت قد اتاحت لنا افقا جديدا وبصرا حديدا وازاحت عن أنفسنا صخرا عنيدا وغسلت من ادراننا مضغة سوداء رانت على قلوبنا  امدا بعيدا وجعلتنا ننظر من حولنا أمرا عجيبا ما كنا سوف نراه حتى يوسد جسدنا في التراب وحيدا
لقد كنا نضخم ذاتنا ونعتقد أننا نسيجا فريدا وكنا نمشي على الأرض مرحا ونطأ الثريا وهما عجيبا قطعا ماكنا ندرك سر الحياة وانها في قبضة الرحمان يقلبها حيث يشاء ويقول لها كوني وتكون له مجيبا
لم نكن ندري ان وراء الكدح والعناء انفس شريفة وأيادي نظيفة وأسر صابرة عفيفة ظلت تغلق عليها بابها فلا ترى منها عورة ولا تفليسا راضية مرضية تنام طاوية البطن حبيسة ولكنها تجد عند ربها قوتا وشرابا سائغا وريفا
تخرج من بيتها في كامل اناقتها نظيفة يحسبها الجاهل من التعفف غنية تملك الدنيا وعندها رخيصة
لقد شاءت إرادة الله ان نخرج من قمقم انفس كانت حبيسة فإنكشف الغطاء فجأة ورأينا لأول مرة اشراقها وما كان خفيا
عرفنا انه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان وليس بالقصر المنيف يكون الأمان ولا بالعربة الفارهة يطمئن الوجدان عرفنا انها أدوات الشيطان
حيث نزحنا في حي بسيط وفي مسجده تعرفت على رجل نظيف الثياب كثير الترحاب
كنت أراه مرتاح البال طلق الوجه عند السؤال لبق لطيف المقال لا تمله باي حال فكنت احسب انه صاحب سلطان ومال وهكذا نحن اهل الجاهلية نقدر الأحوال ولا نرى غير المادة سعادة للأهل والعيال
دلفت اليوم الي احد المحلات التجارية لمعرفة أسعار الثلاجات والمكيفات فقد سرقت من بيتنا بفعل المليشياء والعصابات دون رحمة ولا شفقة وقد كسروا الأبواب وأحدثوا الفوضى والخراب
وبعد أن عرفت الأسعار ووقفت كحمار الشيخ في العقبة محتار هممت بالخروج قبل أن يصيبني الدوار فإذا بي أرى صاحبي الذي يصلي معنا في المسجد وكنت أظنه من أصحاب المال والدولار فإذا به يدفع أمامه درداقة عليها حمل يعجز عن حمله الأبطال فقد كان عامل درداقة بإختصار
كان يدفعها أمامه مبتسم الوجه واثق الخطي كأنما يسوق الدنيا بحذافيرها ويعزف الاوتار
هو هو إذن صاحبي النظيف العفيف عامل درداقة شريف
عزفت نفسي عن الثلاجات والمكيفات والبهرجات
فقلت في نفسي ماذا يعني ماء بارد فرات وماذا يعني حفظ طعام قد فاض وأصبح فتات
وماذا يعني نسيم عليل إذا كان القلب مات
لملمت اطرافي وغضضت طرفي حتى لا يراني
سلام عليك عامل الدرداقة ملك الأناقة الآن الآن عرفت وفي السماء رزقكم وما توعدون
وان لقمتنا ان كانت مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة او في السماوات أو في الأرض يأتي بها الله لقمة مشبعة مباركة