لطالما راهنت الدوائر الاستخباراتية في واشنطن وتل أبيب على أن غياب “المرشد” يمثل لحظة الانهيار الحتمي للنظام الإيراني، وساعة الصفر لتحول الدولة إلى فوضى داخلية. إلا أن الاجتماع رفيع المستوى الذي ضم الرئيس “بزشكيان” ورئيس القضاء “عجائي” والقائد الأعلى المؤقت “علي رضا أعرافي”، جاء ليقلب الطاولة على حسابات “ترامب ونتنياهو”، معلناً عن ولادة قيادة جماعية لا تكتفي بمواصلة النهج، بل تتبنى سقفاً أكثر تشدداً في مواجهة العدوان.

1. مؤسساتية الدولة فوق صدمة الاغتيال

أثبتت إيران في هذا المنعطف أنها “دولة مؤسسات” وليست مجرد نظام يتمحور حول فرد واحد. إن سرعة تشكيل المجلس المؤقت واتخاذ قرارات حاسمة بمواصلة الرد الجوي والبحري، تعكس وجود بروتوكولات طوارئ أُعدت لمثل هذه السيناريوهات. هذا التماسك أجهض الحلم الإسرائيلي بتحويل إيران إلى “ساحة خلفية” أو دولة منهارة يسهل إملاء الشروط عليها.

2. الفخ الذي نصبه نتنياهو لنفسه

اعتقد الثنائي “ترامب ونتنياهو” أن رحيل المرشد سيفتح الباب أمام تيار “التهدئة” أو الانكفاء للداخل، لكن الواقع كشف عن صعود قيادات مثل “أعرافي” و”عجائي”، الذين يحملون رؤية أكثر صدامية مع المشروع الغربي. هؤلاء القادة لا ينظرون إلى دعوات ترامب للتفاوض إلا كـ “مناورة تحت النار”، وهو ما دفعهم للتأكيد على استمرار ضرب القواعد الأمريكية وحلفائها في المنطقة دون اعتبار لأي ضغوط سياسية.

3. فلسفة “المقاومة السيادية”

الرسالة التي خرجت من طهران كانت واضحة وحادة: “إيران ليست حديقة خلفية”. هذه العبارة تضع فارقاً جوهرياً في العقيدة السياسية الإيرانية مقارنة ببعض القوى الإقليمية؛ فهي ترى أن السيادة تُنتزع بالصواريخ والمواجهة، لا بالارتهان للمظلة الأمنية الأمريكية.

4. موازين الرعب: الرد بلا توقف

إن تأكيد المجلس المؤقت على ضرب إسرائيل وحلفاء أمريكا “دون توقف” يعني الانتقال إلى حرب استنزاف شاملة. هذه الاستراتيجية تهدف إلى:

* تشتيت الجهد العسكري الأمريكي: عبر فتح جبهات متعددة (المتوسط، مضيق هرمز، القواعد الإقليمية).

* إفشال مشروع “الشرق الأوسط الجديد”: الذي يحاول ترامب فرضه عبر القوة الاقتصادية والعسكرية.

تدرك القيادة الإيرانية الجديدة أن التراجع في هذه اللحظة يعني الانتحار السياسي. لذا، اختارت المضي قدماً في خيار المقاومة، مؤمنةً بأن كلفة الصمود، رغم فداحتها، تظل أقل بكثير من كلفة الاستسلام. لقد أراد الخصوم غياب “المرشد” ليرتاحوا، فخرج لهم “مجلس” لا يرى في التفاوض إلا وجهاً آخر للحرب، مؤكداً أن الرهان على انكسار إيران من الداخل كان رهاناً خاسراً بامتياز.