مع تسلم المجلس القيادي المؤقت في طهران زمام الأمور بذهنية “عسكرية صدامية”، لم يعد الصراع محصوراً في تبادل الضربات الصاروخية، بل انتقل إلى عصب الاقتصاد العالمي: مضيق هرمز. إن إصرار القيادة الجديدة (أعرافي، بزشكيان، وعجائي) على رفض شروط ترامب يعني أننا أمام سيناريوهات ميدانية غير مسبوقة.

أولاً: السيناريوهات العسكرية في مضيق هرمز

تنتقل إيران الآن من مرحلة “المضايقات البحرية” إلى مرحلة “الإغلاق العملياتي”، وهو ما يضع العالم أمام ثلاثة احتمالات:

* حرب الألغام الذكية: نشر جيل جديد من الألغام البحرية “اللا تلامسية” التي تجعل عبور الناقلات مغامرة انتحارية، مما يرفع أسعار التأمين البحري لمستويات خرافية ويشل حركة التصدير تماماً.

* حرب المسيرات “أسراب الموت”: استخدام مئات الطائرات المسيرة الانتحارية لاستهداف منصات الغاز والنفط في الخليج، وليس فقط الناقلات، لرفع تكلفة الحرب على حلفاء واشنطن.

* المواجهة المباشرة مع الأسطول الخامس: استدراج القوات الأمريكية للاشتباك في مياه ضيقة تمنح الأفضلية للزوارق السريعة والصواريخ الجوالة (بر-بحر)، مما قد يؤدي لإصابات في قطع بحرية كبرى.

ثانياً: مواقف القوى الإقليمية (بين المطرقة والسندان)

تجد الدول الإقليمية، وخاصة دول الخليج، نفسها في موقف “برميل البارود”:

* دول المواجهة (الخليج): تدرك أن تحولها إلى “منصة” للدعم الأمريكي سيجعل منشآتها النفطية هدفاً أولياً لصواريخ الحرس الثوري. لذا، قد نشهد “حياداً اضطرارياً” أو ضغطاً خليجياً سرياً على واشنطن للجم نتنياهو ومنع انزلاق الأمور لحرب شاملة تدمر البنية التحتية للطاقة.

* الكيان الإسرائيلي: يرى في صعود القيادة المتشددة مبرراً لشن “ضربة قاصمة” للمنشآت النووية، معتقداً أن النظام في حالة ارتباك، لكنه يصطدم بواقع أن القيادة الجديدة أكثر اندفاعاً للرد الشامل والبدء بحرب “بلا سقوف”.

ثالثاً: فشل نظرية “الحديقة الخلفية”

الرسالة التي وجهها “أعرافي” بأن إيران لن تكون حديقة خلفية، هي “إعلان قطيعة” مع أي محاولة للعودة لسياسات ما قبل 1979. هذه الروح القتالية للمجلس المؤقت تهدف إلى:

* تعزيز التلاحم الداخلي: عبر تصوير المعركة كمعركة كرامة وطنية وسيادة ضد “الاستعمار الجديد”.

* إرباك حسابات ترامب: الذي يعتمد سياسة “الضغط الأقصى” لجلب الخصم للتفاوض، ليجد نفسه أمام خصم “يرغب في المواجهة” ولا يخشى تداعياتها.

رابعاً: ميزان القوة.. “لست مهزوماً ما دمت تقاوم”

هذا الشعار الذي ترفعه القيادة الإيرانية اليوم هو المحرك الفعلي للميدان. فالمقاومة هنا ليست مجرد دفاع، بل هي “هجوم دفاعي” يهدف إلى إفهام واشنطن أن كلفة إسقاط النظام أو إخضاعه ستعني “خراب النظام المالي العالمي” وانهيار أسواق الطاقة.

االمنطقة الآن لا تسير نحو “تسوية”، بل نحو “تصادم الإرادات”. القيادة الإيرانية الجديدة اختارت “الهروب إلى الأمام” عبر التصعيد، مراهنةً على أن العالم لن يتحمل انقطاع النفط طويلاً، بينما يراهن ترامب على أن القوة العسكرية الغاشمة يمكنها حسم الأمور.

بين هذا وذاك، يبقى مضيق هرمز هو “الزناد” الذي إذا سُحب، سيعيد صياغة تاريخ الشرق الأوسط لعقود قادمة.