<span;>د.مهند عثمان التوم
<span;>dr.mohaned@alankabootmedia.com
<span;>من مسرح الشأن السوداني تتجلى الحقيقة جلية فمن أعماق كل سوداني يدرك قيمة وطنه ينبع رفض قاطع لأي خطاب يهين الأرض أو الشعب مهما كان قائله ومهما كانت المصالح المتوخاة، فإن التعاطي مع سيل التصريحات السياسية لا سيما تلك التي تتضخم بمبالغات ترامبية فارغة سميناها بذلك فالاحاديث تكاثرت بعد حديث ترامب عن السودان بحضور ولي العهد السعودي كمزيجاً فريداً من الكبرياء علي السوداني الذي لا يلين بوهن دبلوماسي يمكن للزول السوداني أن يفصل بين الحقائق الثابتة وزيف المجاملات السياسية في الخطابات، لأنه شعب واعي بذاته وعياً كاملاً بأن الخارج تتقن فن تجاهل الإنسانيات ومصالحها الوطنية  ويعلم تماماً كيف تتعامل حين تلامس مواردها وأموالها ومصالحها، وهنا يتضح الإشكال الأعمق ليس في مجرد كلمات بل  كيفية رد فعلنا كشعب، فهل نتعامل بانفعال وعنترية تخسرنا جهوداً قيمة أو بخنوع يفتح الفجوة بيننا وبين المبادرات ويقبل الخطابات والمواقف على علاتها بحجة مصالح دولية واهية، ليحولنا من صانعي قرار إلى مجرد خاضعين يهدرون سيادتنا ويرسخون الوصاية علينا؟ إن اللاعب الذكي حقاً هو الشعب السوداني الذي يدرك أن العالم ليس إلهاً يعبد ولا عدواً يسب، بل هو مجرد أداة مصالح يجب استخدامها بحذر وذكاء ووعي بالغ.

<span;>من هنا يتجلى دور الوعي الدبلوماسي في نسج المعادلة الذكية للشعب السوداني الترحيب الصادق بكل مجهود حقيقي لا مجرد خطاب يوقف الحرب لأن دماء أبناء السودان أثمن من أي مهاترات لفظية، ونرفض حلاً لا يشارك فيه السودانيون أو يفرض عليهم عبر رباعيات دولية لا تنتج سوى تدوير الأزمات لا صناعة سلام حقيقي ويتطلب هذا تصحيحاً جذرياً منا  للنظرة في التعامل مع العالم،ليكون من منطلق المصالح المشتركة لا الإحسان أو الوصاية، فالسودان ليس متلقياً فحسب بل هو شريك مصالح، فأمريكا ترغب في استقرار البحر الأحمر ومنع تمدد روسيا والصين وروسيا ترغب العكس والخليج يطمح للنفوذ والكل يسعى لامتلاك المفتاح الذي هو السودان نفسه، فمن يرغب في هذا المفتاح عليه أن يقدم ما يتناسب أولاً مع مصالح السودانيين.

<span;>إننا نعيش واقعاً مراً حرب طاحنة واقتصاد منهك لكن هذه الظروف ليست قدراً أبدياً ولا هي هويتنا ولا تمحو مجدنا وشموخنا وحقيقتنا كشعب صامد قاوم واستعاد كرامته مراراً ووقف بانخاً رغم كل الجراح، نحن أمة ضاربة في عمق التاريخ حضارتنا سبقت تكوين دولهم بآلاف السنين ونرفض رفضاً قاطعاً اختزال تاريخنا في مجرد اكتشاف مزعوم أو حاضرنا في أزمة مبهمة أو مستقبلنا في تسوية ناقصة لا تليق بنا، نحن شعب يرفض فوقية الجميع في الداخل أنصاف الساسة وغيرهم وفي الخارج الدول والأنظمة الأجنبية المتدخلة جميعهم يسعون لرسم شكل السلام الذي يناسبهم  ونقولها سنكمن الشعبية كخط الدفاع الوحيد ضد إعادة إنتاج الكارثة كما قال مايكل جاكسون: (إنهم حقاً لا يبالون بنا).

<span;>تتجلى النقطة الأهم والأخطر في رفض انتظار الحلول المعلبة من الخارج أو الركون إلى أن النخب السياسية، بجميع أطيافها أن فلحت في حل الأزمة لكنه إلا تكراراً للمآسي الماضية وتكراراً غبياً  فالشعب السوداني يجب أن يكون طرفاً فاعلاً لا مفعولاً به صوتاً مسموعاً يفرض شروطه ولا ينتظر من أحد أن يقلبه يمنة ويسرة ، إن فرض الإرادة يعني أن السلام الذي يفرض من الخارج لخدمة مصالح فئوية أو دولية سيكون هشاً وزائفاً، السلام الحقيقي يصنعه وعي شعبي يرفض أن يكون وقوداً لحروب الوكالة ويرفض بيع مواقفه في سوق النخاسة السياسية، بل يلتف بذكاء حول المجهودات التي تخدمه ويستفيد منها ويمتطيها ليحقق مصالحه وسلامه وبناءه ونماءه.

<span;>يجب علينا أن نكون أذكى من أن نحرق الجسور مع من يمكن أن يقدم لنا الفائدة وأقوى من أن نسمح لأي كان أن يقلل من شأننا، هذه هي دبلوماسية الكبرياء والأنفة الوطنية التي نفتقدها، نشكر كل جهد صادق لإيقاف الحرب وكل جهد حقيقي لوقف النزي،  ونذكرهم بأن السودان أمة عظيمة تمر بكبوة لا دولة تائهة تبحث عن تعريف وأن الحل المستدام لن يأتي إلا باحترام إرادة هذا الشعب وإنصافه ضد من أرادوا إبادته، نحن لا نستجدي التاريخ بل نحن صناعه وسنعيد كتابته بوعينا وصمودنا وليعش السودان حراً أبياً علماً بين الأمم والمجد للأمة التي تريد له المجد وتباً لمن يريدون له الخراب.