إعداد/ د.مهند عثمان
في الوقت الذي يتطلع فيه السودان إلى مرحلة التعافي وبدء برامج إعادة الإعمار ومع تدفق التمويلات الدولية والمنح التنموية لتنفيذ مشروعات البنية التحتية، يدور في الخفاء صراع اقتصادي غير متكافئ يمزق النسيج الصناعي لقطاع المقاولات السوداني، صراع لا يحسم بالأكفأ فنياً أو الأكثر قدرة تنفيذية، بالمكان الذي يفتح فيه الحساب البنكي فاليوم لا نكتب في شكوى مهنية لأننا نعرف بنيان الأحرف أو نشير لتذمر فئة متضررة، بل نقرع جرس إنذار لقضية تمس السيادة الاقتصادية وتطرح تساؤلات وجودية حول مصير ملايين الدولارات التي تدخل البلاد تحت لافتة إعادة الإعمار والتنمية تتبخر قبل أن تلامس شريان الاقتصاد الوطني.
التشريح الاقتصادي للفجوة التنافسية
المنافسة هنا تشبه سباقاً بين عداء يركض بحذاء رياضي متطور من شركة اديداس واخر يركض بحذاء مقيد بحبل من صنايعي أحذية باليد، فالأول يتحوط من تذبذب سعر الصرف ويستورد موارده بالسعر العالمي، بينما الثاني يصارع تقلبات السوق المحلي ويتحمل تكاليف إضافية تلتهم هامش ربحه قبل أن يبدأ العمل، فالمشكلة ليست في وجود المنافسة بل في اختلال شروطها نحن أمام نظام إعادة إعمار اقتصادي مزدوج يضع المقاول الوطني في مواجهة غير عادلة:
1/ التحوط الطبيعي للمنافس الأجنبي: المقاول الذي يمتلك حسابات خارجية أو يتقاضى مستحقاته بالدولار في الخارج يتمتع بتحوط طبيعي ضد تآكل العملة المحلية التي تأثرت كثيراً بالحرب، فالاجنبي لا يخشى انخفاض الجنيه لأن تكاليفه وإيراداته مرتبطة بالعملة الصعبة.
2/ فخ التضخم للمقاول المحلي: في المقابل المقاول السوداني الذي يعمل بالعملة المحلية يجد نفسه أمام مطرقة التضخم أي تأخير في صرف المستحقات أو أي تقلب في سعر الصرف أثناء فترة تنفيذ المشروع التي قد تمتد لأشهر أو سنوات، مما يعني أن تكلفة المواد المستوردة الحديد، الإسمنت، الآلات ستتضاعف مما يحول المشروع من فرصة للربح إلى كارثة مالية تقود للإفلاس.
3/ تكلفة التمويل: تعجز البنوك الوطنية عن منح تسهيلات ائتمانية للمقاولين المحليين بضمانات مقبولة بينما الشركات التي تمتلك تدفقات بالعملة الصعبة تحصل على تمويلات دولية بفوائد زهيدة، مما يعني أن المقاول الوطني يدخل السباق مكبل بينما غيره يركض بأدوات مالية حديثة.
الدولار الشبح وظاهرة تسرب النقد
إن تحويل مستحقات العقود إلي الخارج يعني أن السودان يفقد المضاعف الاقتصادي، لأن المال الذي كان يفترض أن يدور في المصارف المحلية ليوظف في دفع الأجور وشراء المدخلات يخرج من الدورة الاقتصادية السودانية معززاً سيولة في أسواق اخرى، ويظل السؤال الجوهري لكل سوداني أين تنتهي رحلة الدولار؟ لأن الهدف المعلن لأي مشروع تنموي ممول دولياً هو تحريك الاقتصاد المحلي لكن واقع الحال يشير إلى أن جزءاً ضخماً من هذه الأموال يعاني من التسرب النقدي عبر:
- هروب السيولة: عندما تدفع المنظمات الدولية مستحقات الشركات في الخارج فإن السيولة لا تدخل أبداً إلى النظام المصرفي السوداني هذا يحرم البلاد من تعزيز احتياطياتها النقدية ويضعف قدرة البنوك على تمويل قطاعات أخرى.
- ظاهرة شركات الواجهة: كنمطاً كثير التكرار شركات أجنبية تفتتح مكاتب تمثيل صورية في الخرطوم تفوز بالعطاءات الدولية ثم تسند التنفيذ الفعلي من الباطن لشركات سودانية بأسعار بخسة، الشركة الأجنبية تحتفظ بهامش الربح الكبير بالخارج،بينما يكتفي المقاول السوداني بفتات الأرباح الذي بالكاد يغطي التكاليف التشغيلية دون أن يراكم أي فائض استثماري.
البعد الاستراتيجي هل نقتل قدراتنا الوطنية؟
إعادة الإعمار ليست مجرد خرسانة وحديد فهي بناء قدرات وطنية وعندما تقصى الشركات المحلية بفعل هذا الخلل:
*نزيف العقول المهنية:*عندما تفلس شركات المقاولات الوطنية، لا تخسر الدولة مالاً فقط بل تخسر كوادرها من المهندسين والفنيين ومديري المشاريع الذين يضطرون للهجرة بحثاً عن فرص عمل في دول الجوار.
رفع الفاتورة الوطنية: الاعتماد على الشركات الأجنبية يرفع التكلفة الإجمالية للمشاريع لأنها تسعر مخاطر العمل في بيئة غير مستقرة بهامش ربح مرتفع جداً بينما المقاول الوطني لكونه ابن الأرض لديه ميزة التكلفة المنخفضة التي لا تستغل.
- المأزق القانوني وغياب الشرط الوطني
الفراغ التشريعي في السودان هو المسبب الرئيسي للوضع الراهن لضعف حكومة الأمل في معظم البرامج والمشروعات، فدول كثيرة في أفريقيا وآسيا واجهت هذه المعضلة عبر قوانين المحتوى المحلي، لغياب إلزامية التوطين حيث لا توجد نصوص ملزمة في عقود المنظمات الدولية تفرض نسبة إنفاق محددة داخل البلاد، وأيضاً قصور الرقابة ونعم يمتلك بنك السودان المركزي أدوات رقابية لكنها تظل قاصرة عن تتبع التدفقات المالية للمشروعات ذات التمويل الخارجي التي تخرج عن ولايته المصرفية، لذلك نحن بحاجة إلى بروتوكول قانوني يلزم أي مشروع دولي بفتح حسابات إسكرو (Escrow Accounts) تضمن أن جزءاً من التدفقات المالية يمر عبر البنوك السودانية.
اإعادة الإعمار لا تبدأ من الخارج
إذا كانت الغاية من مشروعات إعادة الإعمار هي بناء السودان فلا يمكن أن يتم ذلك عبر تفكيك الاقتصاد السوداني، إن حماية المقاول المحلي ومنحه فرصة عادلة للمنافسة هي خط دفاع أول عن السيادة الوطنية، وإن استمرار هذا الوضع يعني أننا نبني الجسور والمباني لكننا نهدم الأساس الاقتصادي الذي تقوم عليه الدولة الكرة الآن في ملعب الحكومة وبنك السودان المركزي إما التحرك لردم فجوة الدولار وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الفرص الاقتصادية، أو ترك الاقتصاد الوطني في مهب رياح التنافس غير العادل ليدفع المواطن السوداني في نهاية المطاف فاتورة باهظة لتنمية لا تملك في أرضنا إلا أجساد المشروعات بينما تملك أموالها وجهات أخرى خارجية.
خريطة طريق للإنقاذ
لم يعد المطلوب الآن تظلمات بل سياسات حتي يكن الاعمار طريق للتنمية بالاتي
- صندوق السيولة للمقاولين: إيجاد آلية مصرفية تسمح للمقاولين الوطنيين الذين يعملون في مشاريع دولية بالاحتفاظ بنسبة من مستحقاتهم بالعملة الصعبة لتغطية تكاليف الاستيراد مباشرة دون المرور بضغوط السوق الموازي.
- نظام الدرجات التفضيلية في العطاءات: بمنح الشركات الوطنية نقطة تفضيلية في تقييم العطاءات إذا التزمت باستخدام عمالة محلية ونسبة معينة من المواد الخام المحلية وهو نظام معمول به دولياً.
- لجنة مراقبة العطاءات الوطنية:ىتشكيل لجنة عليا تضم (اتحاد المقاولين، وزارة المالية، وبنك السودان) مهمتها مراجعة دفاتر شروط العطاءات الدولية لضمان عدم إقصاء الشركات الوطنية ببنود تعجيزية.
- توطين سلاسل الإمداد: إلزام المنظمات المانحة بدعم الموردين المحليين بدلاً من الاستيراد المباشر لكل شيء من الخارج مما سيخلق آلاف فرص العمل.
السيادة تبدأ من دفتر الشيكات
إن إعادة الإعمار هي معركة وجود وإذا كان الوطن يبنى بالحجارة والإسمنت فإن اقتصاده يبنى بالعدالة النقدية والسياسات الواعية فهل سنقبل أن يكون المقاول السوداني غريباً في بلده، بينما يحصد الغرباء ثمار التنمية بأموال كان يجب أن تضخ في عروق الاقتصاد الوطني.
إن بقاء هذا الوضع يعني أننا نبني الجسور والمباني لكننا نهدم الأساس الاقتصادي الذي تقوم عليه الدولة الكرة الآن في ملعب الحكومة وبنك السودان المركزي والمنظمات الدولية إما التحرك لردم فجوة الدولار وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الفرص الاقتصادية أو الاستمرار في نهج التنمية الهشة التي لا تملك في أرضنا إلا أجساد المشروعات بينما تملك أموالها جهات أخرى.
دعوة للعمل والتفاعل
هذا الملف سيظل مفتوحاً وسنجري فيه العديد من التقارير والمقالات لأننا نؤمن بربط المواطن بالحقيقة ونسجها ونطالب وزارة المالية بفتح تحقيق عاجل في مسارات الدفع للمشاريع الدولية كما ندعو كافة المهندسين والمقاولين الوطنيين لمشاركتنا قصصهم والتحديات الموثقة التي واجهوها لنبني قاعدة بيانات للضرر قد تكون السلاح الأقوى في يد صانع القرار لإصلاح هذا الخلل البنيوي، وجرس إنذار يمس السيادة الاقتصادية لمصير ملايين الدولارات تدخل السودان تخت إسم إعادة الإعمار والتنمية وتخرج منه قبل أن يلامس شريان الإقتصاد الوطني.
