يواجه السودان أزمة إنسانية غير مسبوقة تقترب من نقطة الانهيار، حيث حذرت منظمات أممية من أن القدرة على تقديم المساعدات قد تتوقف تماماً في غضون أسابيع، وسط تراجع حاد في التمويل الدولي وتفاقم التعقيدات اللوجستية والأمنية التي تعيق وصول الغذاء والإيواء لملايين النازحين.

أزمة جوع بمستويات قياسية
وأفاد برنامج الأغذية العالمي في إحاطة رسمية، عقب زيارة ميدانية أجراها القائم بأعمال المدير التنفيذي للبرنامج، كارل سكاو، إلى عدة مناطق داخل السودان، بأن البلاد تعيش أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم. وتشير البيانات الأممية إلى معاناة نحو 20 مليون شخص من الجوع الحاد، بينهم 5 ملايين بلغوا مستوى الطوارئ، بينما يواجه 200 ألف شخص ظروفاً “كارثية” تهدد بالوفاة جوعاً.

فجوة تمويلية خانقة
وتواجه العمليات الإنسانية معادلة صعبة؛ فبينما تتصاعد الاحتياجات بشكل مطرد، شهد التمويل تراجعاً كبيراً، حيث انخفضت مخصصات البرنامج من 645 مليون دولار خلال العام الماضي إلى نحو 206 ملايين دولار فقط هذا العام. ويحتاج البرنامج إلى 300 مليون دولار إضافية بشكل عاجل لمجرد الحفاظ على مستويات الاستجابة الحالية، التي لا تغطي سوى جزء ضئيل من المتضررين.

وأكد كارل سكاو أن المشكلة لم تعد تقتصر على نقص القدرة التشغيلية، بل في العجز عن استغلال الإمكانات الميدانية المتاحة بسبب نقص المال، محذراً من أن البرنامج قد يضطر لتقليص الحصص الغذائية بشكل أكبر أو تقليل عدد المستفيدين في الأسابيع المقبلة.

انهيار وشيك لمنظومة الإيواء
في موازاة ذلك، أطلقت المنظمة الدولية للهجرة تحذيرات مماثلة، مؤكدة أن مخزون مواد الإيواء ومستلزمات المياه والصرف الصحي قد ينفد بنهاية سبتمبر الجاري. وتدير المنظمة خط إمداد مشترك تعتمد عليه أكثر من مئة جهة إنسانية، مما يعني أن نفاد المخزون سيؤدي إلى شلل إنساني واسع النطاق يمس ملايين النازحين البالغ عددهم نحو 8.6 مليون شخص في الداخل.

تحديات لوجستية وتغيرات مناخية
إلى جانب نقص التمويل، تصطدم جهود الإغاثة بواقع ميداني معقد؛ إذ تسببت الحرب وانقسام مناطق السيطرة في إطالة مسارات القوافل الإنسانية بشكل كبير، حيث باتت رحلات برية كانت تستغرق ساعات تتطلب أياماً طويلة للوصول.

وعلى صعيد آخر، يهدد موسم زراعي ضعيف -بفعل الجفاف الذي يعد الأشد منذ عام 1984- الأمن الغذائي للمجتمعات المحلية، مما يضع السكان أمام خيارات البقاء الصعبة؛ بين فك الحصار عن الغذاء أو انتظار المجهول في ظل غياب الخدمات الأساسية وتدمير الأسواق.

دعوات للتحرك العاجل
ودعا المسؤولون الأمميون المجتمع الدولي إلى ضرورة التحرك الفوري لسد الفجوة التمويلية ومنع الانهيار الكامل لمنظومة الإغاثة. كما شددوا على ضرورة التوصل إلى اتفاق سياسي ينهي الحرب، والسماح بعبور المساعدات مباشرة بين خطوط القتال، وتوفير ضمانات أمنية للقوافل والكوادر الإنسانية، معتبرين أن الوقت المتاح لا يقاس بالأشهر، بل بأسابيع قليلة تفصل الملايين عن مصير مجهول.