عادت منطقة “أبيي” المتنازع عليها لتتصدر المشهد السياسي بين السودان وجنوب السودان، مهددة بإعادة فتح ملف النزاعات المؤجلة، وذلك عقب قرار المفوضية الوطنية للانتخابات في جوبا بإدراج المنطقة ضمن الدوائر الجغرافية للانتخابات العامة في جنوب السودان، واعتبارها جزءاً من ولاية “واراب”.

وتثير هذه الخطوة تساؤلات حول مستقبل العلاقة الهشة بين البلدين، حيث يرى مراقبون أن الإجراء يتجاوز البعد الفني الانتخابي ليلمس قضايا السيادة والهوية التي ظلت معلقة منذ انفصال جنوب السودان عام 2011، دون التوصل إلى تسوية سياسية نهائية.

تباين في الرؤى
في حين تتعامل جوبا مع إدراج أبيي كخطوة ضرورية لاستكمال عملية بناء مؤسسات الدولة وتوسيع نطاق المشاركة السياسية في المرحلة الانتقالية، تعتبر الخرطوم هذا الإجراء “أحادياً” ومخالفاً للمرجعيات القانونية والاتفاقات السياسية السابقة التي نظمت الوضع المؤقت للمنطقة، والتي كانت تقتضي عدم تغيير وضعها الإداري أو السياسي قبل التوصل لاتفاق نهائي.

جذور الأزمة
تعتبر أبيي إحدى أكثر المناطق تعقيداً في مسار العلاقات بين الجارتين، إذ حالت الخلافات حول معايير الاستفتاء وتحديد هوية الناخبين دون البت في مصيرها السياسي، رغم التوصيات والتحكيمات الدولية السابقة. وقد أدى هذا “الجمود” إلى خلق واقع استثنائي تدار فيه المنطقة عبر ترتيبات أمنية وإدارية مؤقتة، مدعومة بوجود قوات الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي (يونيسفا).

المصالح الاقتصادية.. عامل كابح
رغم حدة الخلاف السياسي حول السيادة، تشير التحليلات إلى وجود عوامل “كابحة” للتصعيد العسكري، أبرزها المصالح الاقتصادية المشتركة التي تربط البلدين، وعلى رأسها تصدير نفط جنوب السودان عبر البنية التحتية السودانية، وحركة التجارة الحدودية التي تعد شريان حياة للمجتمعات المحلية. هذه المصالح تفرض على الطرفين نوعاً من “ضبط النفس” لتجنب الانزلاق نحو مواجهة شاملة تضر باقتصادياتهما المتأزمة.

مسارات الأزمة المستقبلية
وفقاً للقراءات السياسية، يتجه الموقف في أبيي نحو ثلاثة مسارات محتملة:

  1. احتواء الخلاف: عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، وهو المسار المرجح في ظل الرغبة المشتركة في الحفاظ على الاستقرار.
  2. تصعيد سياسي: في حال تحولت أبيي إلى ورقة في المزايدات السياسية الداخلية، مما قد ينعكس سلباً على التنسيق الأمني والاقتصادي.
  3. تدخل إقليمي ودولي: تفعيل دور الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة لإيجاد صيغة سياسية جديدة تخرج الملف من عنق الزجاجة، خاصة في ظل تأثر المنطقة بالاضطرابات الإقليمية المحيطة، وتحديداً الحرب الدائرة في السودان.

ويبقى الملف مفتوحاً على كافة الاحتمالات، في انتظار ما ستسفر عنه الاتصالات الثنائية بين الخرطوم وجوبا حول مدى شرعية الخطوة الانتخابية وتداعياتها على مستقبل الاستقرار في المنطقة.