في خطوة وصفت بأنها “الفرصة الأخيرة”، أطلق بنك السودان المركزي صافرة الإنذار للجهاز المصرفي في البلاد، محدداً جدولاً زمنياً ينتهي بنهاية العام الجاري لتوفيق أوضاع 38 مصرفاً تعمل في بيئة اقتصادية مزقتها الحرب. وبينما تفرض الضرورات الأمنية والاقتصادية “الاندماج” كحل وحيد للنجاة، تظل مخاوف “التسييس” و”الديون المتعثرة” شبحاً يطارد أي محاولة إصلاحية.

قرار “اللحظة الحرجة”

يعاني الجهاز المصرفي السوداني من تضخم في العدد مقابل تواضع في رأس المال. وبحسب توجيهات البنك المركزي الأخيرة، فإن المصارف أمام ثلاثة خيارات لا رابع لها: زيادة رأس المال (كفاية رأس المال)، الاندماج القسري أو الطوعي، أو التصفية الإدارية.

ويؤكد مسؤول في بنك السودان المركزي، فضل حجب هويته، أن الحرب لم تكن سوى “المحفز الأخير” لإعادة هيكلة طال انتظارها. ويشير في حديثه إلى أن تآكل رؤوس أموال المصارف بفعل التضخم، وعمليات نهب الأصول، جعلت من خيار الهيكلة ضرورة وجودية لضمان حقوق المودعين، بعد أن فقدت المصارف الكثير من مقوماتها التشغيلية.

“تفتيت” يضعف التمويل

يرى مراقبون أن وجود 38 مصرفاً في اقتصاد منهك لا يعدو كونه “تشرذماً” يمنع أي قدرة على تمويل المشروعات الإستراتيجية. ويؤكد رجل الأعمال سامي بسيوني أن الواقع المصرفي الحالي عاجز عن سد الفجوة التمويلية؛ حيث تكتفي البنوك بتمويلات محدودة وقصيرة الأجل وبشروط “قاسية”، مما يعيق حركة الصادر والوارد وإعادة الإعمار.

من جانبه، يربط المحلل المصرفي وليد دليل بين عدد البنوك وضعف القدرة على استعادة المراسلة المصرفية الدولية، مشيراً إلى أن أي مصرف لا يستطيع الوفاء بمعايير “بازل” لكفاية رأس المال في ظل الهيكلية الحالية، وهو ما يعزز الحاجة إلى خلق 10 إلى 15 مجموعة مصرفية “عملاقة” قادرة على امتصاص الصدمات.

عقدة “السياسة” والديون المتعثرة

على الرغم من الوجاهة الاقتصادية لقرارات الاندماج، إلا أن الباحث الاقتصادي محمد حسان يرى أن “التحدي ليس فنياً بقدر ما هو سياسي”. ويوضح حسان أن المحاولات السابقة للإصلاح اصطدمت بثلاثة حوائط صد:

  1. التسييس: منح تراخيص بنكية لإرضاء مجموعات نفوذ، مما جعل المساءلة أمراً مستحيلاً.
  2. الديون المتعثرة: وجود محافظ تمويلية لشركات وأفراد بناءً على علاقات شخصية لا جدوى اقتصادية، وهو ما ترفض البنوك كشفه في عمليات التدقيق.
  3. غياب الحزم: تعودت البنوك على سياسة “المهل الزمنية” التي تمدد ولا تنتهي، وهو ما أضعف هيبة القرار الرقابي.

نجاح “مشروط”

يتفق الخبراء على أن الاندماج وحده لن ينهي الأزمة، بل يشترطون “إصلاحاً ذاتياً” للبنك المركزي نفسه. فالمركز الذي يمارس دور الرقيب، يمتلك في الوقت ذاته حصصاً في أكثر من 11 مصرفاً محلياً، وهو ما يراه المحلل وليد دليل “تضارباً مباشراً في المصالح”.

وفي المقابل، يرى المدير العام السابق لبنك النيلين عثمان آدم، أن المسار نحو الكيانات الكبيرة هو الطريق الوحيد المتاح، معترفاً بأن التجارب السابقة (منذ عام 1993) فشلت لغياب الدراسات المسبقة والحزم في التنفيذ.

ومع اقتراب الموعد النهائي، يترقب القطاع المصرفي في السودان ما إذا كان المركزي سيمضي هذه المرة في خيار “التصفية” للممتنعين، أم أننا سنشهد تكراراً لسيناريو عام 2000، حيث تُمنح المهل وتُراكم الأزمات، في وقتٍ لم يعد فيه الاقتصاد السوداني يحتمل المزيد من التعثر.