د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com
حين تنظر وسائل الإعلام الغربية، ولا سيما الأميركية إلى إيران تهيمن على رؤيتها صور الصراع والتهديد، التخوف من النووي، وتصوير السياسة بصيغة صراع إيديولوجي مباشر لكن خلف هذه الصورة الأحادية ثمة وجه آخر وجه ثقافي وفكري وسياسي يتوارى عن أعين الخارج، ويستمر في كفاحه الداخلي من أجل معنى مختلف للدولة والمجتمع.
هذا الوجه الآخر ينبع من تيار إصلاحي عميق الجذور، ليس مجرد تحالف انتخابي أو شعار مرحلي، بل حركة فكرية تأسست على إرث مفكرين ونشطاء أمثال السيد محمد منتظري مروراً بموجات من المفكرين والأكاديميين وصولاً إلى تجربة حكم معتدلة مثل تجربة محمد خاتمي، هؤلاء لم يكونوا مناصرين للتغيير السريع فقط بل باحثين عن صياغة جديدة للعلاقة بين الدين والسياسة، بين الفرد والمجتمع، وبين الحرية والسلطة. في إيران، الإصلاحية ليست مجرد كلمة انتخابية إنها مشروع ثقافي طويل يتعامل مع أسئلة الهوية والعدالة والحداثة داخل إطار محلي مركب.
أزمة إيران إذا جاز التعبير، هي أزمة فكرية هي صراع حول نمط التفكير الذي يُؤسس السياسات العامة وكيف تُفهم مشكلات التنمية والعدالة وحقوق الإنسان. هناك من يراهن على الأحكام القسرية والنهج الأمني لمعالجة التحديات، وهناك من يدافع عن استراتيجية إصلاح تدريجي، تقوم على الحوار المدني، وتوسيع المساحات الجمهورية، وتعزيز مؤسسات المجتمع المدني، الفشل في ترجمة الحس السائد للإصلاح إلى واقع سياسي مستقر ليس فقط نتيجة قمع أو ضغط خارجي بل انعكاس لصعوبات داخلية في بلورة خطاب إصلاحي قادر على استيعاب التحولات الاجتماعية والاقتصادية السريعة.
في المقابل تبرز مقارنة مثيرة مع ديمقراطية السوق الأميركية النظام الذي يعتمد على منطق السوق الحر في الوصول إلى السلطة والسيطرة على الموارد يعاني أزمته الخاصة تحويل القدرة الاقتصادية إلى سلطة سياسية غالباً ما يفضي إلى حكم الطبقات الأغنى بغض النظر عن مدى فهمهم أو التزامهم بالمصلحة العامة الديمقراطية التي تهيمن عليها قوة المال تتعرض لتآكل في العمق الأخلاقي والسياسي حين يصبح الوصول للسلطة مرهوناً بالثروة لا بالمسؤولية أو الحكمة أو الوعي السياسي العميق. النتيجة ليست فقط سياسات تميل لصالح النخبة، بل مجتمع يفقد قدرة الحوار العام ويضعف فيه مشروع المواطنة الفاعل.
التقاطع بين المشهدين الإيراني والغربي يضع سؤالاً مركزياً كيف يمكن للمجتمعات أن تبني نظم حكم تحترم الكفاءات الفكرية والأخلاقية، لا مجرد القوة الاقتصادية أو الإكراه؟ الإصلاح الحقيقي يتطلب أكثر من مجرد تغيّر في الوجوه أو الخطاب إنه يحتاج إلى بنية فكرية وثقافية تمكن المواطن من المشاركة الواعية وتحفز المؤسسات لتكون مسكونة بروح الخدمة العامة، وتعيد التوازن بين السوق والدولة بين الحرية والمسؤولية.
أحد الدروس الأساسية هو أن قراءة بلد مثل إيران من خارجه من دون فهم طبقاتها الفكرية والثقافية هي قراءة ناقصة وفي الوقت نفسه فإن نقد الأنظمة الديمقراطية الغربية التي تسمح للمال بتحويل العملية السياسية إلى ملعب للنخبة يحتم علينا تجديد المفاهيم الديمقراطية ليست جمعاً لصناديق الاقتراع فحسب بل نظام يتيح تداول الأفكار والسلطة بعمق أخلاقي ومعرفي.
في النهاية الوجه الآخر لإيران يذكر بأن الصراعات الكبرى اليوم ليست فقط على خريطة نفوذ أو مصالح بل على خريطة العقل أي فكر يقود المجتمع وأي قيم تؤسس للسياسة وأي آليات تضمن أن تكون السلطة مقتدرة وحكيمة ومسؤولة ولن تُحل هذه المعادلات إلا بحوار داخلي حقيقي في كل مجتمع، وباعتراف متبادل أن الحكم الجيد يتطلب أكثر من أدوات القوة أو قوانين السوق.
