د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com
لطالما سُردت قصة السودان في العقود الأخيرة على أنها حلقات متتالية من صراعات داخلية محضة وقبائل متناحرة وضعف بنيوي يؤدي إلى الفوضى. لكن هذه السردية، التي تفتقر إلى عمق الرؤية الأدبية وتتناسى الأبعاد الخفية، تتجاهل فصولاً رئيسية في كتاب تاريخ البلاد الحديث، فما تعرض له السودان منذ عهد الرئيس عمر حسن أحمد البشير وحتى الحرب الأخيرة التي تمزقه لم تكن أحداث منفصلة أو نتاج عشوائي كانت حلقات مترابطة في مسار استهداف ممنهج مخطط له بعناية قادته الولايات المتحدة وشاركت فيه قوى إقليمية أبرزها دولة الإمارات العربية المتحدة، بأدوار متعددة الأوجه سياسية عسكرية اقتصادية وإعلامية.
لم يكن السودان هدفاً لضعفه بل لرفضه الخضوع هي الحقيقة التي تفرض نفسها بقوة كلما تعمقنا في تفاصيل الأحداث، بدأ الاستهداف بحصار اقتصادي وسياسي طويل الأمد كان بمثابة سيف مسلط على رقبة الاقتصاد السوداني والمجتمع بأكمله عقوبات خانقة عزلة دبلوماسية مطبقة وتشويه إعلامي ممنهج عمل على شيطنة النظام السوداني وتبرير الضغوط الخارجية كل ذلك يهدف إلى تركيع الدولة وإخضاع قرارها السيادي، ومع فشل هذه الأدوات في تحقيق المبتغى كاملاً، تطور الاستهداف ليأخذ منحى عسكرياً مباشراً قصف مصنع الشفاء للأدوية بالخرطوم عام 1998 ثم لاحقاً ضرب مجمع اليرموك للصناعات العسكرية عام 2012 لم يكونا مجرد حوادث أمنية عابرة لقد كانتا رسالتين بالغتي الوضوح بأن أي قرار سيادي سوداني لا يتواءم مع الأجندات الخارجية هو قرار مرفوض دولياً وستكون له عواقب وخيمة، هذه الرسائل التي عادة ما تكتشف في ثنايا الروايات السياسية كـتكتيكات صدمة وترهيب كانت هنا واقعاً مريراً.
في الحرب الأخيرة التي تعصف بالبلاد عاد المشهد بصورة أكثر تعقيداً في حبكته تبرز فيه ملامح المؤامرة بشكل أوضح، فقد لعبت الولايات المتحدة دور الغطاء السياسي والإعلامي مانحة الشرعية الضمنية أو على الأقل الصمت لأجندات التفكيك، بينما برز دور الإمارات العربية المتحدة كلاعب إقليمي محوري في الدعم والتمويل وإدارة أدوات الفوضى على الأرض في محاولة لإعادة تشكيل السودان بما يخدم مصالح خارجية لا تتوافق بالضرورة مع استقرار البلاد أو سيادتها، الهدف كان وما زال واضحاً تفكيك الدولة السودانية استنزاف جيشها الوطني وإعادة رسم الخريطة السياسية والاقتصادية للبلاد بما يضمن موطئ قدم لهذه القوى الإقليمية والدولية.
فالسودان لم يستهدف لأنه ضعيف بل لأنه رفض الخضوع لـ نصوص تمليها قوى خارجية، والمواجهة لم تكن عسكرية فقط بل حرب شاملة الأدوات والأبعاد حرب استهدفت السيادة الوطنية في عمقها والاقتصاد في شرايينه الحيوية والجيش كحامي للدولة والأهم من ذلك كله استهدفت الوعي الوطني للشعب السوداني في محاولة لإعادة تشكيل هويته وتوجيه مساره.
اعلم قارئ العنكبوت أن وراء كل فوضى غالباً ما تكون هناك أياد خفية تحرك الخيوط.
