د.طارق عشيري
مااكثر المنظمات الطوعيه في السودان ماقبل الحرب فلعل التجربة تحتاج الي تقيم ورؤية مستقبليه خاصةبعد الحرب ، حيث لا يكون الدمار محصوراً في المباني والبنية التحتية فحسب، بل يمتد ليصيب الإنسان ذاته، ويهزّ القيم، ويمزّق النسيج الاجتماعي، ويضعف الثقة بين المجتمع ومؤسساته. وفي هذه المرحلة الحرجة، يبرز دور (المنظمات الطوعية كفاعل أساسي في سد الفجوة) بين ما خلّفته الحرب و(ما يتطلبه التعافي وبناء السلام). فهذه المنظمات لا تعمل فقط على تخفيف المعاناة الإنسانية، بل (تسهم في إعادة الأمل)، و(ترميم الثقة)، و(تهيئة المجتمعات للانتقال من منطق البقاء إلى أفق الاستقرار والتنمية).
لم تعد المنظمات الطوعية، في مرحلة ما بعد الحرب، (مجرد أدوات لتقديم الإغاثة العاجلة أو توزيع المساعدات الإنسانية)، بل أصبحت أحد الأعمدة الأساسية في إعادة بناء المجتمعات التي أنهكها الصراع. ففي الدول الخارجة من الحروب، وعلى رأسها السودان، تتعاظم مسؤولية هذه المنظمات، وتتعقد مهامها، مما يفرض ضرورة إدارة واعية، رشيدة، وذات رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
في أعقاب الحرب، يجب أن تنتقل المنظمات الطوعية من (العمل الإغاثي المؤقت إلى برامج التعافي المبكر) ثم التنمية المستدامة. فالإغاثة تُنقذ الأرواح، لكنها لا تُعيد بناء المجتمعات. أما التنمية، فهي التي تعيد للإنسان كرامته وقدرته على الاعتماد على نفسه،( وتمنح المجتمع مناعة ضد تجدد النزاعات).
نحتاج بشدة الي( الإدارة الرشيدة هي حجر الزاوية) في نجاح أي (منظمة طوعية بعد الحرب). ويتطلب ذلك وجود مجلس أمناء مستقل وفاعل، يضطلع بدور رقابي واستراتيجي، إلى جانب إدارة تنفيذية محترفة تمتلك الخبرة الميدانية والقدرة على العمل في البيئات الهشة. كما ينبغي الفصل التام بين السلطات المالية والتنفيذية لضمان النزاهة والشفافية.
المرحلة الانتقالية بعد الحرب لا تحتمل التشتت أو العمل العشوائي. لذلك، يجب أن تُبنى البرامج على دراسات ميدانية دقيقة، تضع في مقدمة أولوياتها إعادة الاستقرار المجتمعي، دعم سبل كسب العيش، تقديم الدعم النفسي والاجتماعي، وإعادة تأهيل الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والمياه. فنجاح المنظمة يقاس بمدى تأثيرها الحقيقي، لا بعدد مشاريعها.
(الثقة هي رأس مال المنظمات الطوعية بعد الحرب). وأي خلل في الشفافية المالية أو الإدارية قد يؤدي إلى فقدان هذه الثقة إلى الأبد. لذلك، يصبح من الضروري الالتزام بتقارير مالية دورية ومعلنة، واعتماد نظم محاسبية واضحة، ورفض أي تمويل مشروط سياسياً أو يتعارض مع السيادة الوطنية أو مصالح المجتمع.
لا (يمكن للمنظمات الطوعية أن تنجح بمعزل عن الدولة). فالعلاقة السليمة تقوم على التكامل والتنسيق لا على التنافس أو الإحلال. ويجب أن تعمل هذه المنظمات في (إطار القوانين الوطنية)، وأن( تدعم خطط الدولة في التعافي وإعادة الإعمار)، دون أن تتحول إلى بديل عن مؤسساتها أو أداة لإضعافها.
(إشراك المجتمع المحلي في التخطيط والتنفيذ) هو الضمان الحقيقي لاستدامة المشاريع. فالنازحون والمتأثرون بالحرب ليسوا مجرد مستفيدين، بل شركاء في إعادة البناء. وعندما يشعر المجتمع بملكية المشاريع، يصبح أكثر حرصاً على نجاحها واستمرارها.
إن( إدارة المنظمات الطوعية ما بعد الحرب) ليست عملاً إنسانياً فحسب، بل هي فعل وطني بامتياز. فهي تسهم في تضميد الجراح، وترميم النسيج الاجتماعي، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. ومن دون إدارة واعية ومسؤولة لهذا القطاع، قد تتحول النوايا الحسنة إلى عبء إضافي على وطن أنهكته الحرب.
في مرحلة ما بعد الحرب، لا يكون دور المنظمات الطوعية دورًا مكمّلًا للدولة فحسب، (بل يتحوّل إلى ضمير حيّ يقود معركة البناء كما قاد معركة الصمود). فهي (الجسر الذي يعبر عليه المجتمع من الركام إلى الأمل)، ومن الإغاثة إلى التنمية، ومن تضميد الجراح إلى ترميم الإنسان قبل العمران. ومع انحسار صوت الرصاص، يعلو( صوت العمل الطوعي ليؤكد أن إعادة الإعمار لا تُقاس بحجم المشروعات وحدها)، بل بقدرتها على (إعادة الثقة، وبناء التماسك الاجتماعي)، و(صناعة مستقبل يشارك فيه الجميع). إن نجاح مرحلة ما بعد الحرب مرهون بتمكين هذه المنظمات، وتكامل أدوارها مع مؤسسات الدولة، (لتكون شريكًا أصيلًا في كتابة فصل جديد عنوانه وطن يتعافى بإرادة أبنائه)، وتنهض فيه (القيم قبل المباني)، و(الإنسان قبل كل شيء).وسودان مابعد الحرب اجمل واقوي
