د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com
المشهد السوداني الممزق بتراقص شرارات الحرب بلا هوادة، تظهر مبادرة رئيس الوزراء السوداني الأخيرة في مجلس الأمن كخيط رفيع يحاول أن يمسك بخيوط السلام المرتخية، هذه المبادرة التي سعى فيها د.كامل الي تدويل الأزمة ووضعها تحت مظلة شرعية دولية أوسع، لا يمكن فهمها بمعزل عن شبكة متشابكة من الالتزامات والتحديات الداخلية والإقليمية التي تشكل فيها اتفاقية جدة نقطة ارتكاز رئيسية فيها. فما هي السيناريوهات المتوقعة في هذه الشبكة المعقدة؟
فمبادرة رئيس الوزراء في مجلس الأمن تمثل محاولة لكسر الجمود القاتل وإضفاء شرعية دولية على مسار سياسي جديد أو على الأقل حشد دعم أكبر لوقف شامل لإطلاق النار، لإنها تضع القضية السودانية على طاولة أكبر محفل دولي معني بالأمن محاولاً د.كامل إحياء الأمل في مسار سياسي مدعوم دولياً بعد تعثر مبادرات عديدة، تمثل فيه اتفاقية جدة نقطة والإطار الوحيد الذي جمع الطرفين المتصارعين على طاولة حوار، فمبادرة رئيس الوزراء في مجلس الأمن ترتبط بجدة كخيط أساسي.
فإذا حظيت المبادرة بدعم دولي ستؤدي إلى تعزيز آليات مراقبة وتنفيذ اتفاقية جدة وفرض عقوبات على الأطراف التي لا تلتزم بها وسوف تعمل الأمم المتحدة على تفعيل ما تعثر إقليمياً وتتحول جدة من تفاهمات إلى التزامات دولية ملزمة، ويدفع الأطراف المتحاربة إلى الالتزام بشكل أكثر جدية بوقف إطلاق النار وتسهيل المساعدات الإنسانية تمهيداً لعملية سياسية شاملة.
السيناريو الثاني وغير المتوقع لكن لا مستحيل تحت الشمس قد ترى المبادرة أن جدة رغم أهميتها لم تعد كافية وحدها وتدعو إلى إطار دولي أوسع يتجاوز التفاوض المباشر بين القوتين العسكريتين ليشمل أطرافاً مدنية مؤثرة ومراقبة دولية أشد صرامة، تتحول فيه جدة إلى مجرد نقطة انطلاق أو جزء من خطة أوسع نطاقاً يدعمها مجلس الأمن بقرارات ملزمة مثل فرض منطقة حظر طيران أو آليات حماية مدنية.
لن تظل مبادرة مجلس الأمن معلقة في الفراغ. خيوطها تمتد إلى العواصم الإقليمية والدولية فداعمو جدة السعودية وأمريكا هل سيرون في المبادرة تعزيزاً لجهودهم أم تجاوزاً لها؟ قد يدفعون نحو دمج المبادرتين أو استخدام ثقل مجلس الأمن لضمان التزام أطراف جدة، لأطراف الإقليمية الأخرى مصر الإمارات إثيوبيا تركيا إيران والاتحاد الأفريقي والعربي والايغاد منها مصالح متشابكة في السودان سوف تتفاعل مع المبادرة وفقاً لتلك المصالح، وتمارس ضغوطاً سياسية عبر قنواتها الخاصة، الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن مصالحهم الجيوسياسية والعلاقات مع الأطراف السودانية والإقليمية ستحدد مدى الدعم الذي ستحظى به المبادرة، مما يخلق شبكة معقدة من المساومات والمناورات الدبلوماسية.
الداخل السوداني سوف يؤثر علي مبادرة رئيس الوزراء بشدة بالديناميكيات الداخلية، المك فحكومة السودان وحكومة تأسيس رد فعلهما هو مفتاح أي تقدم فهل سيعتبران المبادرة تهديداً لسيادتهما أم فرصة لتقوية مواقفهما التفاوضية خاصة إذا تضمنت ضغوطاً دولية حقيقية؟ والقوى المدنية هل ستلتف حول المبادرة كفرصة لإعادة بناء الدولة المدنية أم أن الانقسامات ستظل تعيق تشكيل جبهة موحدة؟ الوضع الإنساني المتدهور قد تضغط الكارثة الإنسانية المتفاقمة بما فيها النزوح وتفشي الأمراض خاصة في مناطق النزاع الآن على مجلس الأمن لتبني تدابير فورية أقوى وبالتالي قد تكون هذه الورقة هي الأكثر تأثيراً في حشد الدعم للمبادرة.
السيناريوهات المتوقعة نجملها في ثلاث محاور النجاح الجزئي المصبوغ بالتوترات، والجمود لمبادرة ممزقة الأطراف، التصعيد غير المباشر:
النجاح الجزئي قد تنجح المبادرة في حشد دعم دولي واسع لقرار من مجلس الأمن يدعم آلية مراقبة أقوى لجدة وربما يفرض عقوبات على المعرقلين، هذا يؤدي إلى تهدئة نسبية وتسهيل للمساعدات وبداية حوار سياسي أوسع لكنه يظل هشاً ومعرضاً للانتكاسات بسبب عدم الثقة العميقة.
الجمود قد تواجه المبادرة معارضة أو عدم اهتمام من قوى دولية رئيسية أو أن الأطراف المتحاربة في السودان ترفض الالتزام بها، مما يحولها إلى مجرد بيان دبلوماسي بلا أسنان تستمر الحرب وتتفاقم الأزمة الإنسانية وتفقد مبادرات السلام مصداقيتها.
التصعيد غير المباشر قد تؤدي المبادرة إلى تأجيج التوترات بين الأطراف السودانية التي قد تعتبرها تدخلاً غير مرحب به، أو أنها تعطي أفضلية لطرف على حساب آخر. كما قد تخلق خلافات بين الدول الإقليمية والدولية حول طبيعة التدخل المطلوب، مما يزيد المشهد تعقيداً بدلاً من حله.
الشعب السوداني بين انتظار الفجر أو مزيد من الظلام؟ فإن مبادرة رئيس الوزراء السوداني هي محاولة جريئة لرسم خيط أمل جديد في شبكة الألم السودانية. لكن مصير هذه المبادرة سيتوقف على مدى قوة الخيوط التي تربطها هل ستلتف الإرادة الدولية حولها لتقوية اتفاقيات مثل جدة؟ وهل ستستطيع الأطراف السودانية رؤية مصلحة الوطن فوق مصالحها الضيقة؟ أم ستتفكك المبادرة تاركة السودان فريسة لتعقيداته الداخلية وتدخلات الخارج، في قصة مأساوية لا يبدو أنها تقترب من خاتمة سعيدة في أي من فصولها القادمة.
