د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com
تتصدع جدران المدن وتتآكل أواصر العمران تحت وطأة الصراع الدائر في السودان، غلخسارة الأعمق والأكثر إيلاماً تكمن في التشوهات التي لحقت بالنسيج الاجتماعي والسلوك العام، مكنت الحرب بمرارتها وقسوتها سلوكيات كانت ت منبوذة وغريبة لتنتشر كالهشيم في يابس القيم والأخلاق للزول السوداني، ومع وسط هذا الخراب تبرز فرصة تاريخية لا مثيل لها لإعادة صياغة هذا السلوك والإمساك بزمام المبادرة لاستعادة السودان إلى توازنه الأصيل مستندين إلى صخرة وعينا الجمعي التي لم تهتز جذورها.
لا يمكن إنكار أن الحروب ليست مجرد تدمير للماديات فقط هدم للمثاليات في خضم الفوضى وغياب القانون، يضعف الردع الاجتماعي ويطلق العنان لدوافع قديمة كامنة أو تولد دوافع جديدة تتغذى على الخوف والخصومة والشحناء تتسلل الأنانية وتزداد حدة الانقسام ويصبح التعاطي مع الآخر مجرد وسيلة للنجاة أو التفوق بدلاً من كونه أساساً للتعايش والتكاتف، أضحت فيه بعض السلوكيات السلبية التي كانت توصم وتنبذ جزء من المشهد اليومي مهددة بتغيير جوهر الشخصية السودانية المعروفة بالشهامة والكرم والتعاضد.
هل قدر السودان أن يغرق في مستنقع هذه السلوكيات الدخيلة؟ حاشا ففي عمق كل أزمة تكمن بذرة التجديد إن الفرصة الماثلة أمامنا اليوم هي فرصة لإيقاظ ما غفى واستنهاض ما خمد من وعينا الجمعي هذا الوعي ليس مجرد تجمع لأفراد بل روح مشتركة ومخزون ثقافي وقيمي يعود إلى مئات السنين من التقاليد العريقة والروابط المتينة والمصير المشترك، الذي يحدد مقبولات ومرفوضات المجتمع، القادر على فرز الغث من السمين وإعادة بوصلة القيم إلى اتجاهها الصحيح.
إن مهمة إعادة صياغة السلوك العام تتجاوز مجرد الدعوات إنها تتطلب عملاً دؤوباً على مستويات عدة تبدأ بالتربية الأسرية التي تعزز قيم التسامح والاحترام المتبادل وتمر بالمؤسسات التعليمية التي يجب أن تلقن الأجيال الجديدة مبادئ المواطنة الصالحة ونبذ العنف وتتوج بالدور الحيوي للإعلام والمؤسسات الدينية التي يجب أن تكون منارات للتوجيه والإرشاد، يجب أن ترفع رايات المصالحة ويعلى صوت الحكمة وتشجع كل مبادرة تهدف إلى لم الشمل وبناء الثقة التي اهتزت.
إنها دعوة لإعادة اكتشاف أنفسنا ليس كضحايا للحرب بل كبناة لمستقبل أفضل دعوة للانخراط في حوار وطني شامل ليس فقط حول السياسة والاقتصاد بل حول الأخلاق والسلوك الذي يحكم تفاعلاتنا، إن وعينا الجمعي هو المصفاة التي يجب أن ننقي بها ما علق بنا والسور الذي نحصن به مستقبل أجيالنا، فإذا استلهمنا منه القوة وعملنا بمقتضاه فإن السودان سيعود لا محالة إلى توازنه سيبزغ فجر جديد لسودان أقوى وأكثر تماسكاً وأعلى شأناً، لأن الإنسان فيه قد أعاد بناء ذاته وسلوكه.
