د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com

في قلب كل سوداني تسكن حقيقة تتصارع فيها الروايات وتتلاطم فيها الأمواج بين ماضٍ نرتشف من أمجاده وحاضر نئن تحت وطأته، هل نحن حقاً كما قال أديبنا الكبير الطيب صالح، في أرض “لا تنبت إلا الأنبياء”؟ تلك العبارة التي تلامس شغاف الروح وتوحي بقداسة أرضنا وطهر نفوسنا صورة بديعة ترفعنا إلى مصاف الوجود الملائكي حيث الفضيلة متأصلة والحكمة تتفتح من كل شق. مهلاً عندما تصم الآذان بصرخات الألم وتعمى الأبصار بمشاهد الدمار وتثقل الأكتاف بأعباء الخذلان هل نجرؤ على التساؤل هل هي حقاً أرض الأنبياء؟ أم أنها كما يصرخ واقعنا تتحول شيئاً فشيئاً إلى ما يشبه ما كتبه الكاتب محجوب باشري بوصفه المرير: السودان بلد غاب عن سمائه الإله؟ أهذا اليأس الذي يغلف الأفق هو القدر؟ أهذا التشرذم وهذا الصراع المحموم هو قدر من وُصموا بالنباهة والسمو؟
قد نجد في التاريخ ما يصدح بقسوة أشد ما يذكرنا بتحذير المسيح لأورشليم: يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء والمرسلين، فهل نقتل الأنبياء بداخلنا؟ هل نذبح القيم التي طالما تغنينا بها ونسحق الحكمة تحت أقدام المصالح الضيقة؟ إنها ليست مقارنة غريبة عن واقعنا الذي شهد ويشهد اغتيال الأمل وتصفية الصفاء ووأد كل دعوة للخير والوحدة في مهدها.

قد يرى البعض في هذه المقاربات قسوة لا تليق بـوطنيتنا وشجاعتنا التي نضخمها في كل محفل، أليس هذا التضخيم ذاته هو ما أوقعنا في هذا الشرك؟ أليس الغرور وادعاء التفوق هو الحجاب الذي يمنعنا من رؤية أنفسنا على حقيقتها؟ جان بول سارتر، بنظرته الفلسفية اللاذعة يرى أن الإنسان أكثر الحيوانات فحشاً وضراوة وجبنًاً، وكلمات الله في كتبه المقدسة تؤكد على جوانب من هذا الضعف البشري وتكشف عن ضراوة النفس وحبها لذاتها، هل ما يحدث اليوم في السودان أليس إلا تجلي بشري لهذه الفطرة التي تتفاقم عندما تزيح الكبرياء والادعاء العقل والحكمة؟

بينما ننشغل نحن بسرد أمجاد الماضي التي عمرنا بها الأرض حيثما قطنا وبينما نتبجح بخصالنا التي لم نعد نراها إلا في المرايا المشروخة، هناك أمم تصنع حاضرها وتخطط لمستقبلها بهدوء وعمل دؤوب، لا يجدون وقتاً للمبالغة في الحديث عن مآثر الأجداد إلا في صالات الدراسة ومباحث التاريخ ليتعلموا ويستلهموا لا ليتوقفوا عندها ويتكئوا عليها.

ففي أي خانة يضعنا السودان اليوم؟ هل ما زلنا في مصاف الأنبياء أم أننا انحدرنا إلى مستوى سارتر؟ لقد آن الأوان لأن ننفض عن أنفسنا غبار التضخيم، وأن نواجه حقيقة واقعنا المؤلم بشجاعة لا تدعي البطولة، فالسودان لا يحتاج اليوم إلى خطاب الأنا المبالغ فيه بل إلى خطاب نحن الذي يعلي قيمة العمل والبناء وينبذ كل ما هو سوى وفاق وتقدم.