إنه رجل من بلادي ظل داخل فؤادي اشعث أغبر ذي طمرين إذا رأيته لا تعبأ به وإذا تحدث لا تلتفت لحديثه مكافح صامد باطش ساعي مبتسم راضي لا ينظر إلى ما عند الناس قانع صابر
يعمل حارس عمارة غير مكتملة التشييد يسكن في هيكلها ويغطي ما ظهر من عورتها ببقية خيش بالي
صادفته ذات يوم ونحن في طريقنا للمسجد فجرا نستمتع بنفس الصبح وتنساب حركتنا في خفة واختيال كأنما نسبح في بحور السعادة ويحمنا بساط الأمل ورعة الرجاء
ولما رأيت الرضا يتدفق بين كلماته كأنه لؤلؤ يتناثر وشعرت انه مرتاح البال مطمئن الفؤاد
سألته فقلت له كم راتبك الشهري شعرت انه لم يكن سؤلا مباغتا فقد كان يتوقعه لأنني ظللت أحوم حوله وكدت ان اقتحمه كالراعي يرعى حول الحمى فقال كأنما حيزت له الدنيا وملك كنوزها ثلاثمائة جنيها ولا أعني ثلاثمائة ألفا
صمت قليلا ثم قلت له وكم عدد أفراد اسرتك
عندها اطلق ضحكت الرضا وشكر النعمة وثقة المؤمن فقال خمسة وعشرون فردا
فقلت الحمدلله وقصدت ان اقول سبحان الله
ولكنها خرجت دون ارادتي خرجت من مشاش عظمى وعصب لحمي وأعماق كياني ورسوخ إيماني
الحمدلله الذي يدبر الأمر
( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) ٦هود
تذكرت قول أهل بلدي الغبش الصائمين في عز الهجير أرباب الأسر الكبيرة والقوت القليل
تذكرت قولهم وكم كان يقينهم وبطولتهم وروعتهم حيث يقولون ( ما شق حنك ضيعوا )
الحمدلله هم أهلي وبني قومي
نقول للجيل الجديد المثقل بجبال الجليد خفف حملك فالله فعال لما يريد ولا تهتم بضيق ذات اليد واسلك نفسك في درب العبيد وتوكل عليه فإنه أقرب إليك من حبل الوريد
سيجعل الله بعد عسر يسرا وبعد ضيق فرجا
قد تقول ان قسمتك في الرزق لن تحيد فهي قيد وتأكيد
نعم ولكن اعلم ان الله قد جعل ملطفات للرزق هي بيت القصيد
غيرك يمرض وفي ضنك شديد رغم المال الممدود والشيك والرصيد
غيرك حرم من العيال والوليد وانت تمرح معهم كأنك في عيد
طعامك مبارك يكفي ويزيد ( طعام الواحد يكفي الإثنين وطعام الإثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية ) لا يهم عندها أصناف الطعام فإن حده اللسان وبه فقط يجد اللذة وانت لقمتك حلال تجد لذتها في روعة وجمال والحمدلله على كل حال ونعوذ به من ذل السؤال
ممدوح حسن عبد الرحيم
