د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com
حين يكتب الصمت قوانينه في أرض انشقت عن نفسها يصبح الصمت السوداني مرآة منكسرة تحمل أسماء لا تنطق، الحرب هنا لم تقتصر على الخرائط والمدن لإنها عملية تقنين للصمت في الأجساد والبيوت تحويل ألسنة الناس إلى أدراج تحفظ الصور المقطوعة والأسماء المختفية والأحلام التي ترتجف قبل أن تفكر، الشارع السوداني لم يسكت لعدم وجود كلام بل لأن الكلام أصبح خطراً، ولفظ الحقيقة فعل يوقع المصير لذلك صار السكوت تكتيكاً للحياة يكتم الصرخة كي تبقى فرصة للصمود.

الصمت بنى له مشفى داخلي هناك تخاطب ذاكرة الجماعة نفسها بصيغ غير معلنة انتظر وتظاهر بالصبر ولا تسأل، في المقابل أنتجت الحرب صراخ خامد يتردد في الأحلام ويعيد تركيب الهويات كيف تكون مواطناً حين تحرم من اسمك وآمانك؟ كيف تعيد قراءة التاريخ عندما تتحول الشهادة إلى تهديد؟ النخبة مطالبة بفك رموز الصمت الصور والرموز والأماني الصامتة لا بالقمع بل بالتمكين.

الشعب السوداني بالمناسبة يعرف زمن الحديث والزمن الصامت ليست مسألة جهل بل حكمة مكتسبة من تجارب سياسية واجتماعية طويلة المزارع والحضر المرأة والرجل يعرفون متى يفتحون فمهم متى يطوون الكلام داخل الجسد كي يحفظوا الحياة أو يحموا من يحبون، تلك الحساسية للزمن تجعل من الصمت أداة استراتيجية قادرة على المقاومة أو على حفظ ما تبقى من إنسانية إلى حين اجتياز الخطر.

الخراب لم يلمس الأبنية فقط عض مناعَة الكلام لذلك لا يكفي إعادة بنى مادية بل يجب نفض الغبار عن لغة الجرح تأطير الألم في سرد جماعي يقدم الشفافية والعدالة والكرامة، الحلول التقنية والسياسية ستفشل إن لم تعن بإعادة تعريف العلاقة بين الكلام والصمت بين الخصوصية والعلنية بين الخوف والثقة، حين يفك الصمت وتفهم متاهاته ويحترم توقيته بحسّ الشعب ومعرفته يبدأ السودانيون في كتابة قوانينهم بوعي الحرية الحقيقية تبدأ حين يكتب الإنسان صمته بيده ويختار متى يحدث ومتى يصمت.