د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com
يا أهلنا في السودان يا من امتحنتم بأشد أنواع البلاء وتعيشون اليوم فصولاً قاسية من الحرب تفتك بالأرواح وتهدم الديار وتشتت الأسر قلوبنا تكسرت وعيوننا تدمع لما حل بنا. نعلم أن الكلمات لا تفي حجم المعاناة وأن الألم قد بلغ مداه فصار جزءاً من نسيج حياتنا اليومية، ففي خضم هذا الظلام الدامس لا بد أن نسلط الضوء على خيوط من نور تنسجها حكمة السماء لتكون بوصلة لقلوبكم المُتعبة.
لقد لخص الخالق العظيم رب العباد الحياة كلها في آيتين مباركتين كأنهما خيطا حرير يربطان مصير الإنسان وسعادته الأبدية هاتان الآيتان يا أهلنا هما بمثابة شبكة عنكبوت محكمة تلتقط كل الشارد والوارد وتشير إلى مكمن السعادة والشقاء ليس فقط في الآخرة بل في كبد الدنيا أيضاً.
تأملوا معي قول الله تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشقى}في هذه الآية نجد وعداً إلهياً صريحاً يمنح الطمأنينة لأي نفس بشرية تائهة أو متألمة، إنها دعوة للتمسك بحبل الله المتين في زمن تتنازعنا فيه الأهواء وتتقاذفنا أمواج الفتن فمن اتبع هدى الله لم يضل طريقه وإن اشتدت الظلمات ولم يشق قلبه وإن قست الظروف، الهداية هنا ليست مجرد معرفة طريق الحق بل هي التزام به في الفكر والقول والفعل في التعامل مع الجار وفي السعي للعدل وفي الصبر على البلاء وفي البحث عن الحقيقة وفي مناصرة المظلوم.
حين تتوالى علينا الأيام بثقلها وحين تتزاحم الأسئلة عن لماذا؟ وإلى متى؟ فإن التمسك بهدى الله يمنحكم ثباتاً داخلياً لا تزعزعه قذائف الحرب يجعلنا نرى بصيص الأمل حتى في أشد لحظات اليأس ويغرس في قلوبكم الرضا بقضاء الله مع السعي الدؤوب لتغيير الحال نحو الأفضل هو الدرع الواقي للروح من التشظي والبوصلة التي تدلكم على سواء السبيل وسط طرق الحياة الوعرة، فمن اتبع هدى الله وإن فقد ماله ودياره لن يضل قلبه ولن تشقى روحه بل سيجد في داخله سكينة لا تقدر بثمن.
والآية الأخرى تلقي الضوء على الوجه الآخر للحقيقة:{ومَن أعَرَضَ عن ذِكرىِ فإنَ لهُ مَعِيشَهً ضَنكُا} هذه الآية ليست تهديداً فحسب بل وصف دقيق لحال من يبتعد عن منهج الله وعن ذكره الضنك ليس بالضرورة قلة المال أو الفقر المادي بل هو ضيق الصدر وقلة البركة والاضطراب النفسي والقلق الدائم حتى وإن امتلك الإنسان كنوز الأرض، إنها المعيشة التي تخلو من الطمأنينة والسكينة، وتثقلها الهموم والغموم.
ولعلنا يا أهلنا نرى تجلي هذا الضنك في واقعنا اليوم وفي أفعال أولئك الذين أشعلوا فتيل هذه الحرب وأججوا نارها، فمن أعرض عن ذكر الله وعن قيم الرحمة والعدل والإنسانية التي جاء بها ديننا الحنيف فقد ضاقت عليه الدنيا بما رحبت وإن بدا للبعض أنه يملك القوة أو النفوذ فقلبه في ضيق ونفسه في قلق وآخرته في خسران، هذا الإعراض هو ما يجعل الظالم يظلم والغادر يغدر ومن يضع مصلحته فوق مصلحة الوطن والأمة يفتت ويفرق.
هكذا، يا أهل السودان تنسج هاتان الآيتان شبكة محكمة لتوضيح حقيقة الحياة، فكل فعل وكل خيار فردي كان أم جماعياً خيط في هذا النسيج، إما أن يكون خيطاً من الهداية يقود إلى فلا يضل ولا يشقى وإما أن يكون خيطاً من الإعراض يقود إلى معيشة ضنكاً.
في هذه الأوقات العصيبة ندعوكم إلى التمسك بهدى الله أكثر من أي وقت مضى اجعلوا ذكره حصنكم المنيع وقيمه نبراسكم الذي يهديكم ففي الصبر الجميل وفي التوكل على الله وفي الوحدة والتكاتف وفي السعي لإصلاح ذات البين وفي نصرة الحق تجدون مخرجاً من هذا الضنك.
إن التغيير الحقيقي يبدأ من القلوب ومن العودة الصادقة إلى الله، فكلما تتبعتم هداه زادت فيكم قوة الصمود وتفتحت لكم أبواب الفرج وتبدلت المعيشة الضنك إلى فسحة وسكينة حتى وإن تأخر النصر المادي فإن نصر الروح وقوة الإيمان لا يقهرهما شيء، نسأل الله أن يرفع عنكم الكرب وأن يلملم شملكم وأن يعيد للسودان عافيته وسلامه، تذكروا دائماً أن بعد العسر يسراً وأن مع الصبر الفرج، فلا تيأسوا من روح الله واجعلوا آياته نبراساً ينير دربكم في هذا النسيج المعقد من الحياة.
