د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com

بينما يستمر السودان في غياهب صراع دامٍ يهدد بتقويض ما تبقى من نسيجه الاجتماعي والسياسي، تتصاعد أصواتٌ تحليلية داخل المشهد السوداني، متسائلة عن الرواية السائدة التي تفسّر جذور الأزمة الراهنة. ففي خضم هذا المشهد المعقد، برزت ظاهرة لافتة، يصفها البعض بـ متلازمة الحركة الإسلامية أو متلازمة الكيزان التي تحولت إلى شماعة يعلق عليها البعض، وخاصة قيادات قوى الحرية والتغيير (قحت) ومشتقاتها كل ما آل  مشروعهم من تعثر وفشل.

تبدو هذه المتلازمة في جوهرها كمرض سياسي بامتياز وأكثر منه موقفاً فكرياً مؤسساً فالتكرار المنهجي لعبارة نحن نحارب الكيزان أو ما حدث هو صنيعة الكيزان أصبح القاسم المشترك في كل قضية وعلى كل منصة وفي كل خطاب وكل برنامج إعلامي هذا التوجه يثير تساؤلات جوهرية حول عمق التحليل السياسي ويقظة الوعي العام.

إذا كانت الحركة الإسلامية المعروفة شعبياً بـالكيزان بهذه القدرة الخارقة على التغلغل والتحكم في كل مفاصل الدولة والمجتمع لدرجة أن تُنسب إليها كل إخفاقات ما بعد الثورة، فكيف استطاع الشارع السوداني الثائر تحريك الجماهير ضدها والإطاحة برئيسها السابق عمر البشير بعد عقود من الحكم؟ هذا التناقض الصارخ يكشف عن ضعف في الرواية المقدمة ويضع علامات استفهام كبرى حول مدى صدقها وموضوعيتها.

إن الإصرار على تحميل طرف واحد مسؤولية كل المعضلات يغفل عن تعقيدات المشهد السوداني ويحجب الرؤية عن الأسباب الحقيقية للأزمة، إن ما يدور اليوم في السودان بمرارة غير مسبوقة لم يعد مجرد مواجهة فكرية أو سياسية حول تنظيم محدد. بل في جوهره صراع أعمق بكثير يمس هوية السودان وتاريخه العريق بمحاولة هتك أنسجة قبول الآخر التي طالما ميزت المجتمع السوداني عبر زرع بذور الفتنة والتفرقة والتحريض على الكراهية.

هذا التحول من الصراع السياسي إلى صراع هوياتي هو الأخطر لأنه يهدد بتفكيك الروابط الاجتماعية والثقافية التي جمعت السودانيين لعقود طويلة، إن تجاهل هذه الحقيقة والتمسك بسردية أحادية تلقي باللوم على الكيزان قد يكون هروب من مواجهة الأسباب الحقيقية للفشل الذاتي ويصرف الانتباه عن ضرورة المعالجة الشاملة لأزمة الدولة السودانية وإعادة بناء الثقة بين مكوناتها المختلفة.

لا شك أن الحركة الإسلامية قد حكمت السودان لفترة طويلة ولها نصيبها من المسؤولية التاريخية لكن اختزال كل الأزمة في شماعة واحدة، ليس فقط تبسيط مخل  للواقع بل هو وصفة لاستمرار الصراع وتعميق الانقسامات، فالسودان يحتاج اليوم إلى شجاعة سياسية وفكرية للاعتراف بتعقيداته ومواجهة أزماته بشكل شامل بعيد عن لغة الاتهامات والتحريض وصولاً إلى حلول جذرية تحفظ هويته وتاريخه ومستقبل أبنائه.