منذ انبلاج فجر استقلال إريتريا قبل أكثر من ثلاثة عقود، ظلت البلاد حالة استثنائية في المشهد الأفريقي؛ فهي الدولة التي لم تعرف في تاريخها السياسي الحديث سوى رئيس واحد، أسياس أفورقي، الذي أحكم قبضته على مفاصل الدولة منذ عام 1993، ليحولها إلى ما يشبه “القلعة المغلقة” التي نادراً ما تتسرب منها الأنباء، حتى باتت توصف في الأوساط الدولية بـ”كوريا الشمالية الأفريقية”.
رحلة الانعزال: من التحرر إلى الانغلاق
لم تكن قصة إريتريا مجرد ولادة دولة جديدة، بل كانت قصة ثورة طال أمدها. وبعد عقود من الكفاح المرير ضد الهيمنة الإثيوبية، نالت إريتريا استقلالها، لكن سرعان ما تحول الحلم الاستقلالي إلى نظام سياسي شمولي يعتمد على مركزية القرار وتقديس “الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة”.
في عهد أفورقي، اختارت أسمرا الانعزال الطوعي عن محيطها الإقليمي والدولي. غابت المؤسسات التشريعية، وتجمد الدستور، وأضحت الخدمة الوطنية الإجبارية -التي لا سقف زمني لها- هي المحرك الرئيسي للمجتمع، مما دفع بأعداد كبيرة من الشباب إلى مغادرة البلاد بحثاً عن مستقبل خارج حدود “الجمهورية المحصنة”. هذا الانغلاق لم يكن مجرد خيار سياسي، بل استراتيجية بقاء أرساها النظام لمواجهة التهديدات الوجودية المحتملة من الجوار.
دوامة العلاقات مع إثيوبيا: تحالفات مضطربة وقطيعة حتمية
تظل العلاقة بين أسمرا وأديس أبابا هي “العقدة” التي تحكم استقرار القرن الأفريقي. فبعد سنوات طويلة من العداء، شهدت المنطقة تحولاً دراماتيكياً خلال حرب “تيغراي” (2000-2022)، حيث وجد البلدان في المصالح المشتركة والخصم الموحد (الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي) سبباً للتحالف العسكري الوثيق.
بيد أن هذا التحالف القائم على البراغماتية لم يدم طويلاً. فبمجرد انتهاء الصراع، بدأت التصدعات تظهر في جدار العلاقة بين الجارتين. تحولت الدبلوماسية الهادئة إلى اتهامات متبادلة، حيث ترى أسمرا في سياسات أديس أبابا محاولة للهيمنة الإقليمية، بينما تنظر إثيوبيا بعين الريبة إلى الدور العسكري الإريتري وتأثيره على الاستقرار الداخلي. هذه القطيعة الدبلوماسية الراهنة لم تعد مجرد خلاف سياسي عابر، بل تعبيراً عن تضارب الرؤى حول من يقود دفة القرن الأفريقي.
مستقبل البلاد: بين جمود الداخل وتحديات الجوار
السؤال الذي يطرحه المحللون اليوم ليس فقط حول سر بقاء أفورقي في السلطة لأكثر من ثلاثين عاماً، بل حول “ما بعد هذه المرحلة”. إن غياب آليات التداول السلمي للسلطة وضع إريتريا في حالة من “الجمود الاستراتيجي”. فبينما يراقب العالم تحولات المنطقة وتغير خارطة التحالفات، تظل أسمرا متمسكة بنهجها الانعزالي، مما يجعلها لاعباً إقليمياً غامضاً، قادراً على قلب الموازين في اللحظات الحاسمة، لكنه عاجز عن الانخراط في عملية اندماج إقليمي مستدام.
إن إريتريا اليوم، التي دفعت أثماناً باهظة للتحرر، تقف أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما المضي في نهج الانغلاق الذي قد يفاقم من عزلتها الاقتصادية والسياسية، أو الانفتاح الحذر الذي قد يمثل طوق نجاة لجيل كامل يبحث عن دور لبلاده في أفريقيا القرن الحادي والعشرين.