في خطوة إستراتيجية تهدف إلى تعزيز القدرات الصناعية الوطنية وتأمين إمدادات المعادن الحرجة، أصدر مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة الأمريكية قراراً تنظيمياً يقيد تصدير “الكتلة السوداء” (Black Mass) ومخلفات التنغستن لمدة عام، وذلك في إطار مساعي الولايات المتحدة لتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية، وبناء منظومة متكاملة لتدوير البطاريات محلياً.

تفاصيل القرار التنظيمي
دخل القرار، الذي صدر في السادس من أغسطس 2026، حيز التنفيذ في السابع والعشرين من الشهر ذاته. ويُلزم القرار الشركات العاملة في هذا القطاع بتخصيص كامل مبيعاتها الشهرية من “الكتلة السوداء” ومخلفات التنغستن للمشترين داخل الولايات المتحدة، مع وضع إطار قانوني يتيح طلب استثناءات أو تعديلات من مكتب الصناعة والأمن وفق ضوابط محددة.

تأتي هذه الخطوة في وقت تتجه فيه واشنطن نحو تصنيف إعادة تدوير البطاريات ليس فقط كسياسة بيئية، بل كركيزة أساسية للأمن القومي والاقتصاد الصناعي، بما يتماشى مع قانون الإنتاج الدفاعي الذي يصنف المواد المستردة من البطاريات كمدخلات إستراتيجية.

أهمية “الكتلة السوداء” إستراتيجياً
تُعد “الكتلة السوداء” -وهي المسحوق الناتج عن تفكيك بطاريات الليثيوم-أيون المستهلكة- كنزاً من المعادن الثمينة؛ حيث تحتوي على تركيزات عالية من الليثيوم، الكوبالت، النيكل، والمنغنيز. ومن خلال عمليات التكرير المتقدمة، يمكن استرداد أكثر من 95% من هذه المعادن، مما يجعلها مورداً بديلاً عن الخامات الطبيعية المستخرجة من المناجم، ومصدراً حيوياً للصناعات التكنولوجية المتطورة.

مواجهة تحديات سلاسل التوريد العالمية
تأتي هذه القيود في ظل هيمنة الصين العالمية على قطاع تصنيع بطاريات السيارات الكهربائية ومعالجة المعادن الحرجة. وتشير التقارير الدولية إلى استحواذ الصين على حصص تتجاوز 80% من طاقة التكرير العالمية لـ “الكتلة السوداء” والمواد الكيميائية الداخلة في صناعة الكاثود والأنود، مما دفع واشنطن وبروكسل إلى الإسراع في وضع تشريعات صارمة تهدف إلى “توطين” هذه المعادن وإبقائها داخل الحدود الاقتصادية الوطنية لدعم خطط التحول نحو الطاقة النظيفة.

وتعقيباً على هذا التوجه، تسعى الشركات الأمريكية والأوروبية إلى تسريع استثماراتها في بناء بنية تحتية محلية لمعالجة وتكرير هذه المواد، لتقليل الفجوة التكنولوجية وتأمين تدفقات منتظمة لمواد التصنيع الأساسية، بعيداً عن تقلبات الأسواق الدولية.