لم تقتصر تداعيات الحرب في السودان على تدمير البنية التحتية والمنازل فحسب، بل امتدت لتطال “أحلام جيل كامل” من الخريجين والمهنيين الذين وجدوا أنفسهم فجأة نازحين في مخيمات تفتقر لأدنى مقومات الحياة، حيث تحولت شهاداتهم الجامعية، التي طالما اعتبروها جواز مرورهم لمستقبل أفضل، إلى مجرد أوراق بلا قيمة في ظل واقع البقاء.
مأساة النزوح: من مقاعد الدراسة إلى طوابير الإغاثة
تروي قصص النازحين في مناطق طويلة بدارفور ومخيمات شرق تشاد فصلاً مؤلماً من المأساة؛ فخريجو الجامعات الذين كانوا يطمحون لبناء الوطن، يعيشون اليوم واقعاً يفرض عليهم ممارسة أعمال هامشية وشاقة لتأمين قوت يومهم.
يشير “آدم رجال”، المتحدث الرسمي باسم منسقية النازحين واللاجئين في دارفور، إلى أن النزوح لم يفرق بين فئات المجتمع، حيث طال حملة الشهادات والكوادر المؤهلة، محولاً إياهم إلى عالة على المساعدات الإنسانية. ويحذر رجال من خطورة “هجرة العقول والكفاءات” التي تفرغ البلاد من طاقاتها البشرية، مؤكداً أن استمرار هذا النزيف سيحرم دارفور والسودان عموماً من قادة المستقبل.
أرقام صادمة وواقع مرير
تظهر البيانات الأممية أن أزمة اللجوء تضخمت بشكل غير مسبوق، حيث عبر قرابة مليون لاجئ سوداني الحدود إلى تشاد منذ أبريل 2023. وفي ظل هذا التدفق البشري، تشير تقديرات ميدانية إلى أن نحو 70% من الشباب اللاجئين في مخيمات شرق تشاد هم من حملة الشهادات الجامعية، إلا أنهم يقضون يومهم في أعمال يدوية شاقة لا تتناسب مع مؤهلاتهم، في حين لا يزال كثيرون منهم طي البطالة بسبب غياب رأس المال أو فرص العمل.
صمود وسط الركام
ورغم قتامة المشهد، لا يزال هناك بصيص من الأمل يجسده إصرار الشباب على استكمال مسيرتهم العلمية. فقد شهدت الفترة الأخيرة احتفال “جامعة الجنينة” بتخريج دفعة جديدة من طلابها في المنفى شرق تشاد، في رسالة تحدٍ واضحة للواقع المفروض.
كما بدأت بعض المبادرات الدولية، مثل شراكة مفوضية اللاجئين مع مؤسسة “ماستر كارد”، في تقديم منح دراسية لآلاف الطلاب المتضررين في السودان وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى، مما يفتح نافذة صغيرة للنجاة وسط جدار الحرب المغلق.
نداء استغاثة دولي
تؤكد المنظمات الإنسانية والناشطون أن استعادة كرامة الخريجين السودانيين تتطلب ما هو أكثر من المعونات الغذائية؛ فهي تتطلب برامج عاجلة لإعادة التأهيل، وتوفير فرص تدريب مهني، ودعم المبادرات التي تربط الكفاءات السودانية بسوق العمل الإقليمي والدولي. ويظل التساؤل مطروحاً: هل ينجح المجتمع الدولي في حماية ما تبقى من “رأس المال البشري” في السودان، أم سيترك جيلاً كاملاً من حملة الشهادات يغرق في طوابير الانتظار؟
