تصاعدت حدة التوتر بين الإدارة الأمريكية والمحكمة الجنائية الدولية، حيث حذرت قيادات حالية وسابقة في الهيئة الإدارية للمحكمة من أن الحملة الدبلوماسية والعقوبات التي تفرضها واشنطن لا تستهدف مؤسسة قضائية بعينها فحسب، بل تهدف إلى تقويض الثقة في المنظومة القانونية الدولية بأكملها.

جاءت هذه التحذيرات في مقال رأي مشترك نشرته مجلة “جست سكيوريتي” المتخصصة، بمشاركة الرئيسة الحالية لجمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساسي، إلى جانب 7 رؤساء سابقين للجمعية. وأكد الموقعون أن المحاولات الأمريكية لدفع الدول إلى الانسحاب من المحكمة تضع العالم أمام مفترق طرق حاسم بين الاحتكام لسيادة القانون أو الرضوخ لمنطق القوة.

وشدد المقال على أن الدفاع عن الجنائية الدولية يعد “ضرورة للحفاظ على النظام القانوني الدولي، وضمانة أساسية للبشرية ضد الانزلاق إلى حالة الإفلات من العقاب”.

عقوبات أمريكية وتصعيد مستمر
تأتي هذه المواقف في وقت صعّدت فيه إدارة الرئيس دونالد ترمب من إجراءاتها العقابية ضد المحكمة، مستهدفة قاضيات ومسؤولين رفيعي المستوى، بمن فيهم رئيسة المحكمة “توموكو أكاني”. وتستخدم واشنطن حزمة من الضغوط، تشمل حظر الدخول وفرض عقوبات مالية على القضاة والجهات المرتبطة بالمحكمة، في مسعى لتعطيل قدرتها على ممارسة مهامها، خاصة فيما يتعلق بمسؤولين عسكريين أو سياسيين أمريكيين أو حلفائهم.

من جانبها، أكدت بالوما تشاكون، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، استمرار الإدارة في حملتها الرامية لتعطيل عمل المحكمة، معتبرة أن هذه الخطوات تأتي في إطار حماية السيادة الأمريكية ومنع استهداف عسكرييها.

جذور الأزمة
يعود الصدام الحالي بين واشنطن ولاهاي إلى جذور سياسية عميقة، تفاقمت عقب إصدار المحكمة مذكرات اعتقال في نوفمبر 2024 بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، بتهم تتعلق بجرائم حرب في غزة. وقد ردت واشنطن بفرض عقوبات متتابعة على المدعي العام السابق كريم خان ومسؤولين آخرين.

وتتسم علاقة القوى العظمى بالمحكمة بالتعقيد؛ إذ لا تعد الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، والهند أطرافاً في “نظام روما الأساسي”. ورغم أن المحكمة أُسست عام 2002 لمحاسبة مرتكبي جرائم الحرب والإبادة الجماعية، إلا أنها تواجه تحديات وجودية متزايدة، أبرزها غياب التوافق الدولي، إضافة إلى الأزمات الداخلية التي شهدتها مؤخراً، كان أبرزها إبعاد المدعي العام كريم خان على خلفية اتهامات بسوء السلوك.

ويترقب المراقبون تداعيات هذا النزاع القضائي والسياسي، وسط مخاوف حقوقية من أن تؤدي الضغوط الأمريكية إلى إضعاف دور المحكمة كمرجعية وحيدة للعدالة الدولية في قضايا الجرائم ضد الإنسانية.