✍️ د. أحمد محمد عثمان
لم تعد أزمة المشروع الإسلامي المعاصر أزمة خصومه بقدر ما غدت أزمة وعيه بذاته، وأزمة قدرته على النظر في المرآة دون مواربة، وعلى مساءلة تجربته دون خوف أو تبرير. فالمجتمعات لا تنهض بالشعارات، ولا تُبنى الدول بالنيات الحسنة وحدها، وإنما تنهض حين تملك شجاعة الاعتراف، وجرأة المراجعة، وحكمة الانتقال من منطق التقديس إلى منطق التقويم، ومن ثقافة الاصطفاف إلى ثقافة الإبداع.
وفي السياق السوداني، تبدو الحاجة إلى هذه المراجعات أكثر إلحاحًا، لا بوصفها ترفًا فكريًا أو تمرينًا أكاديميًا، بل باعتبارها شرطًا وجوديًا لبقاء الفكرة ذاتها، وإنقاذها من التحول إلى عبء تاريخي بدل أن تكون أفقًا حضاريًا. فالتجربة الإسلامية في السودان، بما لها وما عليها، تمثل مختبرًا حيًا تتكثف فيه أسئلة الفكر والسياسة، والدين والدولة، والمقاصد والوسائل، والغايات والمآلات.
ومع ذلك، يقتضي العدل — وهو شرط كل مراجعة صادقة — ألا يُختزل هذا المسار الطويل في لحظات الإخفاق وحدها، ولا تُمحى منه مساحات من الإنجاز النسبي الذي تحقق في مراحل مختلفة. فقد أسهم المشروع الإسلامي في السودان، في فترات بعينها، في إحياء الحسّ الديني العام، وتوسيع دائرة التعليم والدعوة، وبناء شبكات اجتماعية وخيرية، وترسيخ حضور القيم الإسلامية في المجال العام، كما أفرز كوادر فكرية وإدارية امتلكت قدرًا من النزاهة والالتزام في بيئات شديدة الاضطراب. غير أن هذه النجاحات — على أهميتها — بقيت مجزوءة، غير مكتملة، ومحدودة الأثر، لأنها لم تُحمَ بمنظومة حكم رشيد، ولم تُستكمل ببناء مؤسسي مستدام، ولم تُحرَّر من منطق التوظيف السياسي الذي أضعف ثمارها وأجهض إمكاناتها.
ولا يستقيم تقويم التجربة الإسلامية في السودان مالم تقرأ قراءة شاملة تتجاوز أسر اللحظة السياسية ؛ إذ رغم ما وسمها من تعثرات جسيمة في إدارة السلطة، وانكسارات في الممارسة، فإنها أسهمت – في ميزان المقاصد الكلية – في حفظ هوية المجتمع الدينية، وتعزيز مركزية الشريعة في وعيه العام، والتصدي لمسارات الإقصاء القيمي، فضلًا عن بلورة اجتهادات فكرية وفقهية وسياسية ذات نزوع تجديدي معتبر.
لقد أخفق الإسلاميون – في السودان كما في غيره – لا لأن مرجعيتهم معيبة في ذاتها، بل لأنهم عجزوا في لحظات حاسمة عن الانتقال من منطق “امتلاك الحقيقة” إلى منطق “خدمة الحقيقة”، ومن عقلية التنظيم المغلق إلى أفق الأمة المفتوح، ومن فقه الصراع إلى فقه العمران. وحين تتوقف الفكرة عن نقد ذاتها، تبدأ بالتحول إلى أيديولوجيا صلبة، تدافع عن أخطائها بقدر ما تدافع عن مبادئها، وتخلط بين قداسة الرسالة وبشرية التجربة، فتستدعي من الماضي ما يبرر الحاضر، وتغلق باب المستقبل.
إن المراجعة التي نحتاجها اليوم ليست مراجعة جزئية أو دفاعية، ولا اعتذارية ولا انتقائية، بل مراجعة تأسيسية شاملة، تعيد ترتيب العلاقة بين النص والواقع، وبين المقاصد والتنزيل، وبين الدعوة والدولة، وبين الأخلاق والسلطة. مراجعة تعيد الاعتبار للإنسان بوصفه غاية المشروع لا وسيلته، ومحوره لا وقوده، وتضع صناعة الإنسان قبل إدارة التنظيم، وبناء الوعي قبل هندسة السلطة.
وفي السودان، حيث تكسرت الأحلام على صخور الاستبداد والحروب والانقسامات، لا يمكن للفكر الإسلامي أن يستأنف دوره إلا إذا تخلص من إرث التماهي بين “المشروع” و”الدولة”، وبين “الدعوة” و”السلطة”، وبين “التمكين” و”النجاح”. فالدولة الحديثة لا تُدار بمنطق الغلبة، ولا تُبنى على احتكار القيم، بل على تعاقد مدني عادل، ومؤسسات قوية، وحوكمة رشيدة، تضمن الحقوق، وتكفل الكرامة، وتُخضع الجميع – حكامًا ومحكومين – لسيادة القانون.
إن المرجعية الإسلامية، حين تُفهم في أفقها المقاصدي الواسع، لا تناقض الدولة المدنية، بل تمنحها بعدها الأخلاقي، وتحررها من الفراغ القيمي، وتمنعها من التحول إلى آلة بلا روح. لكنها تفعل ذلك حين تتجسد في القيم الحاكمة: العدل، والحرية، والشفافية، والمساءلة، وتكافؤ الفرص، لا حين تُختزل في شعارات أو تُستدعى لتبرير الفشل أو القمع.
والنقد البناء الذي نحتاجه اليوم هو نقد شجاع لا يتلذذ بالجلد الذاتي، ولا يخشى كسر الأصنام الذهنية، ولا يتردد في تسمية الأخطاء بأسمائها، دون أن يسقط في فخ التعميم أو النفي الكلي. نقد ينطلق من داخل الانتماء لا من خارجه، ومن منطق الإصلاح لا من غريزة الهدم، ويؤمن أن الأفكار العظيمة لا تموت بأخطائها، بل تموت حين يُمنع عنها النقد.
لقد آن للإسلاميين، خاصة في السودان، أن ينتقلوا من عقلية الدفاع إلى أفق المبادرة، ومن استدعاء المظلومية إلى استعادة المسؤولية، ومن تكرار الأسئلة القديمة إلى إنتاج إجابات جديدة. آن لهم أن يصغوا لصوت المجتمع لا لصدى التنظيم، وأن يعيدوا تعريف النجاح لا بوصفه الوصول إلى الحكم، بل القدرة على خدمة الناس، وبناء الثقة، وترميم المعنى، واستعادة الأمل.
إن المستقبل لا يُفتح بالمفاتيح الصدئة، ولا تُبنى النهضة بأدوات الأمس. والفكر الإسلامي المعاصر، إن أراد أن يكون خيارًا متجددًا، فعليه أن يغامر بالخروج من الصندوق، وأن يتصالح مع سنن التاريخ، وأن يدرك أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم: وعيًا، ومنهجًا، وأخلاقًا، وممارسة.
من هنا يبدأ الأفق، لا من إنكار الإخفاق، بل من تحويله إلى درس، ولا من الهروب من التجربة، بل من تفكيكها وإعادة تركيبها على أسس أعمق وأصدق. ومن الرماد، وحده، تولد جذوة النور لهداية البشرية من جديد .
معا نحو سودان الكرامة والقيم العليا والمرتكزات الوطنية .
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
