لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد

لم يكتفِ اللواء الركن عادل حسن حميدة بالرضى والاستسلام لقدر التقاعد، وتصفّح ملف خدمته الطويلة الممتازة التي تجاوزت الثلاثة عقود ونيفًا من الزمان، وهب خلالها سني عمره وصباه للقوات المسلحة، وطاف كعوارض الغيم بين الجهات والمناطق العسكرية وقيادات الأسلحة والمعاهد العسكرية العليا، وترك وراءه أثرًا كمحراث الأرض دليلاً للسقيا، ومهدًا للبذور، واستنباتًا للخير.
ولكن حين اندلعت حرب استهداف الدولة السودانية في حقيقتها الوجودية، وأصالتها في الدين والمجتمع والثقافة، وعصفت بالناس اعتداءات الجنجويد وأُجبر الملايين على المغادرة القسرية تحت القصف والدمار، هنا دوى صوت اللواء الركن عادل حسن حميدة يذود بالكلمة ويسد منافذ الخوف والتردد، ويجلو بالحق كل ريبة، في حملة إسناد معنوي بالتنوير والمعرفة، يوضح فيها مع إخوانه أهل الإعلام الوطنيين حقيقة العدوان والحرب وأهدافها ووسائلها وأدواتها، ومن يمولها، ويكشفون حجم المؤامرة، ويشدون أزر الجيش الوطني وقوات إسناده، فكان صوته بردًا وسلامًا على كل نفس مضطربة وقلب مشفق ووجدان قلق، كما كان قارعة تحل بديار المليشيا وتخرس من أعانها على ظلمها وبغيها وإجرامها، فأصبح سهماً صائبًا من قوس مشدود يرمي وروح القدس معه.
استزاد الجنرال من روافد الخير فاستخلص ابنه ونذره محررًا لوجه الله رب العالمين مجاهدًا من أجل سلامة الوطن وأهله، فخرج حذيفة يحمل ملامح أبيه وخريطة السودان، ينطوي على عزم يتجاوز عمره الفتي، يركب عواتي الريح، ويطوع الأعصار باسماً في وجه الردى، يفيض بشرًا ويتلألأ كالنجم في دروب السراة، قلق ذو همة تأبى الرقاد، لا تراه إلا واقفًا مفردًا (ضراعه) رافعًا أصبع التكبير، طوى المسافات في دأب لا يتسرب إليه الملل، استل نفسه من عطبرة يسوقه الشوق إلى مهد الخلود وشرف الجهاد وعز النفير.
دليله إلى سلم الصعود مخبأ فيه كالراصد الآلي (GPS) عبر آلاف الكيلومترات في طواف عجيب، خفيف، ليس معه غير زيه المموه وبشرته السمراء (المشمسة) كأنها دثار عتيق يخفي تحت طياته نفسًا تم شراؤها من خالقها، وهو ذاهب للتسليم والتسلم (يسلم الروح، يستلم مقعده في الجنة)، وعد الله ولا يخلف الله الميعاد.
حذيفة الآن رمزية للشباب الذين شرفونا كشعب أن ننتمي إليهم بوشيجة (الأبوة)، فقد فاق عطاؤهم التصورات، فقد تشاطروا مع الجيش الخنادق والمقابر، والشواهد الشاخصة في مقابر سوركاب والمدرعات والمهندسين والإشارة والقيادة العامة، وعلى امتداد مسرح الحرب، هناك شاب خرج طوعًا في سبيل الله والوطن.
فيا حضرة الجنرال عادل حسن حميدة، تقبل الله ابنكم الشهيد بإذن ربه، وسائر إخوانه الشهداء.
وهذا تاج عز لبسه الله أياه، ووسام شرف على باب داركم أهل الشهيد.

( وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ )

نصر من الله وفتح قريب