كشفت رواية مسرّبة من اجتماع جمع رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة السودانية عبد الفتاح البرهان بقيادات الكتلة الديمقراطية في مدينة بورتسودان عن أجواء مشحونة وتبادل اتهامات حادة، في وقت صدرت فيه لاحقاً رواية رسمية أقل حدّة حاولت احتواء تداعيات اللقاء دون نفي ما ورد في التسريب.

وتشير مقارنة الروايتين، المسرّبة والمعلنة، إلى فجوة واضحة بين ما جرى داخل الاجتماع وما قُدّم للرأي العام، ما يعكس أزمة ثقة متصاعدة بين الطرفين، في ظل ضغوط سياسية متزايدة لإعادة ترتيب المشهد السياسي خلال الحرب المستمرة في البلاد.

رواية مسرّبة: توبيخ وانتقادات مباشرة

وبحسب مصادر حضرت الاجتماع، وجّه البرهان انتقادات حادة لقيادات الكتلة الديمقراطية، معتبراً أن دورها في ما يُعرف بـ«معركة الكرامة» كان محدوداً، وحمّلها مسؤولية تراجع وزنها السياسي بسبب الخلافات الداخلية والملاسَنات الإعلامية.
وتفيد المصادر بأن البرهان رفض الاستماع لأي ردود، وأنهى النقاش بصورة حاسمة قبل مغادرة الاجتماع، في إشارة فُهمت على أنها تعبير عن نفاد صبره تجاه هذا التحالف.

وأضافت الرواية أن البرهان ألمح إلى أن الكتلة لن تحظى بـ«نصيب الأسد» في المجلس التشريعي المرتقب، مؤكداً أن معيار المشاركة سيكون «على قدم المساواة»، في رسالة مباشرة لقيادات بارزة داخل التحالف، من بينها جعفر الميرغني.
كما وجّه انتقادات قاسية إلى مني أركو مناوي، إلى جانب تحذيرات عامة لما وصفهم بـ«صغار الساسة ومروّجي الشائعات»، مؤكداً أن الأجهزة الأمنية «ترصد كل شيء».

الرواية المعلنة: تباينات دون تفاصيل

في المقابل، قدّم قيادي في الكتلة الديمقراطية محيي الدين جمعة رواية رسمية أكثر هدوءاً، قال فيها إن الاجتماع خُصص لمناقشة تشكيل المجلس التشريعي، وإنه لم يسفر عن توافق بشأن آليات التشكيل أو الصلاحيات.
ورغم أن الرواية لم تتطرق إلى أي توبيخ أو انتقادات، فإن إقرارها بوجود «تباينات واضحة» فُسّر على أنه اعتراف غير مباشر بما ورد في التسريب، دون الدخول في تفاصيله.

قراءات صحفية: تحالف هش ووزن سياسي متراجع

من جانبه، قدّم الصحفي عزمي عبد الرزاق قراءة نقدية للتطورات، معتبراً أن الكتلة الديمقراطية «معزولة عن الشارع»، وأن محاولات تقديمها كحاضنة سياسية للجيش «لن تنجح».
وحذّر من أن ترك ملف الترشيحات للمجلس التشريعي بيد هذه المجموعة قد يؤدي إلى «إغلاق ديوان السلطة على وجوه محددة»، داعياً إلى اختيار ممثلين يتمتعون بقبول مجتمعي وسجل سياسي نظيف.

خلاصة: إعادة فرز في لحظة مفصلية

تكشف مقارنة الروايتين أن التسريب عكس ما دار داخل الاجتماع بوضوح، بينما سعت الرواية الرسمية إلى تقليل حدّة الخلاف دون نفي جوهره. ويبدو أن العلاقة بين البرهان والكتلة الديمقراطية تمر بمرحلة إعادة فرز، حيث تحاول السلطة العسكرية إعادة تشكيل المشهد السياسي وفق أولوياتها، فيما تواجه الكتلة اختباراً صعباً يتعلق بوزنها الحقيقي وقدرتها على الاستمرار لاعباً مؤثراً.

وفي بلد يرزح تحت وطأة حرب طويلة، لا تبدو هذه التصدعات مجرد خلافات عابرة، بل مؤشراً على تحولات أعمق في خريطة النفوذ السياسي، وعلى مستقبل لا تزال ملامحه غير واضحة في ظل تسارع الأحداث وتبدّل التحالفات.