د.طارق عشيري
لازلنا عبر( الهمسه الوطنيه) نواصل الحديث عن الخرطوم التي لم تكن يومًا مدينة عادية في وجدان السودانيين، فهي ملتقى النيلين،( ومركز القرار)، و(مرآة تعكس حال الدولة السودانية في استقرارها واضطرابها). وبعد ما شهدته من دمار وتشوهات خلال سنوات الحرب والإهمال، يبرز سؤال جوهري: كيف نجعل الخرطوم عاصمة حضارية تليق بتاريخ السودان وطموحات شعبه؟
إن بناء عاصمة حضارية لا يبدأ بالإسمنت والطرق وحدها، بل يبدأ (بالإنسان، سلوكًا ووعيًا وانتماءً). (فالمواطن هو حجر الأساس لأي نهضة حضرية)، و(احترام النظام، والمحافظة على المرافق العامة)، و(الالتزام بالقانون، كلها ممارسات بسيطة في ظاهرها)، لكنها (تصنع الفرق بين مدينة فوضوية وعاصمة محترمة). لذلك فإن (ترسيخ القيم المدنية عبر التعليم والإعلام والمؤسسات الدينية) يمثل خطوة أولى لا غنى عنها.
ومن جهة أخرى، لا يمكن الحديث عن عاصمة حضارية دون (إدارة رشيدة وحكم محلي فعّال). فالخرطوم في حاجة إلى( مؤسسات قوية قادرة على فرض القانون بعدالة)،( ومحاربة الفساد)، (وتنظيم الخدمات)، بعيدًا عن (المركزية المفرطة) التي عطلت القرار وأضعفت المحاسبة إن (إعادة الاعتبار للحكم المحلي) وتفويضه بالصلاحيات والموارد هو أحد مفاتيح الانضباط الحضري.
أما على مستوى التخطيط العمراني، فقد عانت الخرطوم طويلًا من( التمدد العشوائي )الذي كان له دور كبير في اطاله الحرب وشرعت الولاية في ازلته ولكن توقفت الازله لان نعرف اسبابها وغياب الرؤية). المطلوب اليوم هو إعادة تخطيط المدن الكبرى (الخرطوم، بحري، أم درمان) كوحدة حضرية متكاملة، تراعي التوازن بين السكن والخدمات والمساحات الخضراء، وتعالج العشوائيات بحلول إنسانية تحفظ كرامة المواطن، لا بسياسات الإزالة القسرية.
ولا تكتمل الحضارة دون بنية تحتية حديثة. فالكهرباء المستقرة، والطرق المسفلته والمياه النظيفة، والصرف الصحي، والتعليم الحكومي والنقل العام المنظم، هي عصب الحياة اليومية. كما أن (التحول الرقمي في الخدمات الحكومية يمكن أن يقلل الفساد)، ويختصر الزمن، ويعيد ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.
وفي الجانب الاقتصادي، ينبغي أن تتحول الخرطوم إلى (مركز إنتاج وخدمات لا مجرد مدينة استهلاك).( تنظيم الأسواق التاريخية)ستات الشاي وبيع التسالي وعمال الدردقات والسمسار لابد من ضوابط واسس لهذه الاعمال ومعلومات متكاملة عن كل شخص ضمن الهوية الوطنية وتصريح عمل لمزاوله اي مهنه ، ودعم المشاريع الصغيرة، وتشجيع الاستثمار، كلها عناصر قادرة على خلق اقتصاد حضري حيوي يوفر فرص العمل ويحد من الفقر.
وتظل( الهوية الثقافية) عنصرًا أساسيًا في أي عاصمة حضارية). فالخرطوم يجب أن( تعكس تنوع السودان الثقافي والاثني)، من خلال الاهتمام بالفنون، والمسرح، والمتاحف، والرياضه والاهتمام بالملاعب والعمارة التي تحترم التراث المحلي بدل تقليد نماذج مستوردة لا تشبهنا.
إن جعل الخرطوم( عاصمة حضارية ليس مشروع حكومة وحدها)، بل هو (مشروع وطن). يحتاج إلى( إرادة سياسية صادقة)، (ووعي مجتمعي)، (وتخطيط علمي طويل النفس)وقد وضع المجلس الأعلى للتخطيط الاستراتيجي رؤيته للخرطوم ونتظر تنفيذه علي ارض الواقع . وعندما ننجح في بناء الإنسان قبل البنيان، ونرسخ العدالة قبل الزينة، ستعود الخرطوم كما كانت: قلب السودان النابض، وواجهته الحضارية أمام العالم. وسودان مابعد الحرب اقوي واجمل
