د.حيدر البدري
في تصعيد مفاجئ كشف هشاشة التحالفات الإقليمية، أطلقت السعودية ضربات جوية استهدفت ميناء المكلا في اليمن نهاية عام 2025، ضد شحنة قالت إنها أسلحة إماراتية متجهة لميليشيات انفصالية. هذا التصعيد لم يكن مجرد حادث عسكري معزول، بل كان شرارة كشفت انقساماً إستراتيجياً خطيراً بين أقوى حليفين خليجيين، يحوّل اليمن إلى ساحة صراع مفتوحة على مستقبل المنطقة كلها.
ويثبت أسلوب وطريقة الامارات في ادارة الازمات في المنطقة العربية برمتها.
اندلعت الأزمة عندما دخلت سفن تحمل شحنة إلى ميناء المكلا الإستراتيجي في حضرموت، دون تنسيق مع قيادة التحالف الذي تقوده السعودية. أعلن التحالف أن الشحنة تحتوي على أسلحة ومركبات قتالية تشكل “تهديداً مباشراً للأمن الوطني السعودي”، ورد بقصفها. من جهتها، نفت الإمارات بشدة وجود أي أسلحة في الشحنة، مؤكدة أنها مركبات لقواتها العاملة في اليمن، وأعربت عن “أسفها الشديد” لما وصفته “مغالطات” في البيان السعودي.
وردت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً بإلغاء الاتفاقية الدفاعية مع الإمارات، وطلبت منها سحب قواتها خلال 24 ساعة وهو ما أعلنت أبوظبي لاحقاً استجابتها له “طواعية”، مؤكدة أن سحب القوات المتبقية “المكلّفة بمكافحة الإرهاب” تم بـ”محض إرادتها”.
إذن رؤيتان متعارضتان لليمن والمنطقة، إذ يرى محللون أن الخلاف الحالي هو تعبير عن تناقض إستراتيجي متجذر يتجاوز اليمن. و يمكن تلخيص الرؤيتين المتصارعتين:
الرؤية السعودية:
* اعتبار اليمن حديقة خلفية وأولوية أمنية قومية.
* التركيز على دعم الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دولياً.
* النظر للملف اليمني كأحد أوراق التفاوض مع إيران لتهدئة المنطقة.
اما الرؤية الإماراتية:
* بناء شبكة نفوذ إقليمية ممتدة من السودان إلى القرن الإفريقي واليمن.
* التركيز على السيطرة على الممرات البحرية والموانئ الإستراتيجية.
* دعم قوى محلية (كالمجلس الانتقالي الجنوبي) لتحقيق نفوذ دائم، حتى لو كان على حساب وحدة الدولة اليمنية.
* ونسأل هنا عما إذا كانت الإمارات “تكرر تجربتها في السودان” في اليمن، وهذا يستند إلى اتهامات متداولة لكنها مثيرة للجدل. تقارير من مواقع معارضة تشير إلى أن الإمارات دعمت بشكل منهجي قوات الدعم السريع في السودان عبر “جسر جوي معقد”، متجاوزةً حظر السلاح الدولي. في ليبيا، اتُهمت بدعم اللواء خليفة حفتر، وفي الصومال بدعم إقليم أرض الصومال الانفصالي.
من ناحية أخرى، تقدم الإمارات نفسها وتُقدم في وسائل إعلام موالية كقوة استقرار وحكمة. وتسرد سجلاً حافلاً من المساعدات الإنسانية العالمية التي بلغت قيمتها نحو 98 مليار دولار منذ تأسيس الدولة. وتصف سياستها بأنها “إدارة للتعقيد” تقوم على “الحكمة السياسية” و”تغليب الحوار”. هذا التناقض بين الروايات يخلق صورة غامضة ومعقدة لدور الإمارات الإقليمي. ويلعب الاعلام المدلس دورا عظيما في ذلك.
السؤال الأكبر الآن: هل ستغير السعودية منهجها مع الإمارات؟
إذ يحذر محللون من أن ساحة اليمن المفتوحة قد تكون شرارة لانفجار إقليمي أوسع . استمرار دعم الإمارات لفصائل منافسة قد يدفع السعودية لتبني سياسات ردع أكثر حزماً، ويعيد رسم تحالفات الخليج على أسس جديدة متصارعة. لكن لا تزال هناك قنوات اتصال. إذ عبرت قطر عن أملها في أن “تغليب مصلحة المنطقة” هو هدف الطرفين. وقد تدفع الضغوط الأمريكية والدولية نحو تهدئة، كما أن الإعلان الإماراتي عن سحب القوات قد يكون خطوة لتجنب المزيد من التصعيد.
أما عن “صمت العرب والمسلمين”، فهو يعكس واقعاً جيوسياسياً معقداً، حيث تتقاطع المصافات والتحالفات فوق الخطوط التقليدية. فبعض الدول قد ترى في هذا الخلاف فرصة، وأخرى تخشى تداعياته على استقرارها، بينما يفضل كثيرون التزام الصمت تجنباً للانحياز في صراع بين قوتين مؤثرتين.
والواضح أن مستقبل مكانة الإمارات في “القلب العربي” مرهون بتطور هذا الملف. إن استمرت في سياسات تُنظر إليها من قبل حلفاء تقليديين على أنها تزعزع استقرار الدول المجاورة لتحقيق نفوذ، فقد تجد نفسها معزولة دبلوماسياً في محيط عربي حذر. أما إذا نجحت دبلوماسيتها في تحويل سرديتها إلى واقع مقبول إقليمياً، فستتعزز مكانتها كقوة مركزية.
اليوم، لم يعد اليمن مجرد ساحة حرب على الأرض، بل أصبح مرآة عاكسة لأعمق الانقسامات الإستراتيجية في العالم العربي. الحرب هناك لم تعد فقط ضد الحوثيين، بل كما قالت “الإيكونوميست”: “التحالف انقلب على نفسه”. كيفية إدارة الرياض وأبوظبي لهذا الانقسام لن تحدد مصير اليمنيين فقط، بل ستحدد شكل النظام الإقليمي العربي للعقود القادمة. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن: هل نرى بداية لمرحلة جديدة من الانقسام الخليجي-الخليجي أم أن حكمة الدولة ستتغلب على انفعال الصراع؟..
وما تاثير كل ذلك على الحرب في السودان.؟ .
الإمارات ستخسر الرهان..
هذا مؤكد.
نقطة سطر جديد.
