أجاز مجلس الوزراء السوداني مشروع الموازنة الطارئة للعام المالي 2026، واصفًا إياها بـ “المعجزة التاريخية” بالنظر إلى الظروف الاستثنائية. تهدف الموازنة، التي قدمها وزير المالية د. جبريل إبراهيم، إلى تحقيق نمو في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 9% وخفض معدل التضخم إلى 65%، مقارنة بـ 101.9% في 2025.

تتضمن الموازنة تحسين الأجور والمعاشات، توفير وظائف، ولا تفرض أعباء ضريبية جديدة على المواطنين، بل تركز على توسيع قاعدة الإيرادات أفقيًا وتوسيع خدمات التأمين الصحي. ووصفت الموازنة بـ “غير التقليدية” لتركيزها على حشد الموارد الذاتية لدعم متطلبات “معركة الكرامة” وتوفير الخدمات الأساسية (مياه، كهرباء، صحة، تعليم) في الولايات المتأثرة بالحرب، وتهيئة بيئة العودة للمواطنين، وإعادة تأهيل القطاع الصناعي. أشار الوزير إلى أن أداء موازنة 2025 فاق التوقعات بتحقيق 147% من الإيرادات المستهدفة رغم تحديات الحرب، بفضل إصلاحات المالية العامة والرقمنة.

تصريحات مجلس الوزراء السوداني حول موازنة 2026 الطارئة، واصفًا إياها بـ “المعجزة التاريخية” مع استهداف نمو اقتصادي بنسبة 9% وخفض التضخم إلى 65%، تعكس طموحات عالية في ظل ظروف استثنائية. هذه الأهداف، وإن كانت تعبر عن رؤية إيجابية، تواجه تحديات اقتصادية هيكلية جسيمة تفوق الوصف في دولة مزقتها الحرب.

1. الواقع مقابل الطموح:
تستند هذه الأهداف الطموحة إلى فرضيات صعبة التحقق. فكيف يمكن تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 9% في ظل استمرار الصراع الذي يدمر البنية التحتية، ويعطل الإنتاج الزراعي والصناعي، ويخلق أزمة نزوح هائلة؟ عادة ما يتطلب هذا النمو استقرارًا أمنيًا وجذبًا للاستثمارات، وهما غائبان حاليًا.

2. مكافحة التضخم:
استهداف خفض التضخم إلى 65%، رغم كونه تحسنًا عن 2025، يظل مرتفعًا جدًا. تتطلب السيطرة على التضخم أدوات مالية ونقدية فاعلة، وتحسنًا في الإنتاج والعرض، وتقليلاً لتمويل العجز الحكومي عبر طبع العملة، وهي تحديات ضخمة في بيئة الحرب.

3. الإيرادات والإنفاق:
الإشارة إلى عدم فرض أعباء ضريبية جديدة مع السعي لتوسيع قاعدة الإيرادات أفقيًا يطرح تساؤلات حول كيفية تحقيق زيادات كبيرة في الإيرادات، خاصة بعد أداء 2025 الذي فاق التوقعات (147%)، في ظل انكماش النشاط الاقتصادي الرسمي. قد يعتمد هذا على تحصيل رسوم غير مباشرة أو استغلال موارد طبيعية معينة، أو على كفاءة غير مسبوقة في التحصيل يصعب تحقيقها في زمن الحرب. الإنفاق على “معركة الكرامة” وتوفير الخدمات الأساسية للولايات المتأثرة والنازحين يتطلب موارد ضخمة تتجاوز غالبًا قدرة الدولة الذاتية في مثل هذه الظروف، مما يستدعي التساؤل عن مصادر التمويل لهذه الالتزامات.

4. الاعتماد على الذات والإصلاحات:
التركيز على الموارد الذاتية والإصلاحات الهيكلية مهم، لكن تأثيرها غالبًا ما يكون طويل الأجل. في الوضع الراهن، فإن الاعتماد الكامل على الذات قد يكون مرهقًا للغاية بدون دعم خارجي كبير، والذي تراجع بشكل ملحوظ بسبب الأزمة.

5. المصداقية والشفافية:
في ظل الأوضاع الراهنة، تُعد مصداقية الأرقام الاقتصادية الرسمية تحديًا. كما أن غياب الشفافية الكاملة حول مصادر التمويل وطرق الإنفاق يمكن أن يثير الشكوك.

خلاصة:
بينما تعكس الموازنة تفاؤلًا ورغبة في الصمود، فإن الأهداف المعلنة تبدو شديدة الطموح بالنظر إلى واقع الحرب الطاحنة. النجاح في تحقيق أي من هذه الأهداف سيعتمد بشكل حاسم على تطورات المشهد الأمني، ومدى قدرة الدولة على استعادة الاستقرار والإنتاج، وهو ما لا يبدو وشيكًا في الأمد القريب. يبقى السلام المستدام هو البوابة الحقيقية لأي تعافٍ اقتصادي حقيقي في السودان.

إن وصف موازنة ما بـ”المعجزة” يحمل في طياته دلالات عميقة، ألا تذكرنا هذه التسمية بالأدب الذي يتناول الصراع الإنساني ضد المستحيل، حيث تتجسد البطولة في مجرد الصمود أو الحلم بمستقبل أفضل؟ مثل روايات “آلام فرتر” لغوته، التي تعكس شدة المشاعر والأمل المستميت في ظروف صعبة.