د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com
السودان منذ خواتيم رمضان 2023م لم يعد مجرد خارطة جغرافية أو اسم عابر في نشرات الأخبار بفصل دامٍ من الروايات تتداخل فيها مرارة الفقد بحلاوة الصمود، ذاك العام لم يكن مجرد بداية حرب فقط خطاً فاصلاً بين حياة قبل وبعد فالخرطوم التي كانت تُعرف بـالمثلث الذهبي محل الرئيس بينوم والطائرة بتقوم وملتقي النيلين المتدفق وتاريخها العريق تحولت إلى مسرح للمأساة امتزج غبار الدمار بتراب أرضها الطيبة وأصبح صوت الرصاص هو الموسيقى التصويرية لحياة يومية لم تعرفها من قبل.
المر كان طاغي قاسي كطعنة غادرة فقدت الأسر دفء بيوتها وتشردت الأرواح بين طرقات النزوح الشاقة تاركة خلفها ذكريات لا تُثمّن، وصور معلقة على جدران منازل لم تعد آمنة، لم يعد هناك فرق بين الغني والفقير، فالكل يتساوى أمام فوهة البندقية وويلات الجوع والعطش منازل بأكملها تحولت إلى أنقاض أسواق كانت تضج بالحياة أصبحت مهجورة وجامعات كانت منارات للعلم باتت مأوى للنازحين، الأمل ذلك الكائن الهش أصبح يتوارى خلف غبار القذائف والمستقبل يبدو غائماً كضباب الفجر في صحراء قاحلة، الخوف هذا الضيف الثقيل استوطن القلوب وجعل من كل يوم تحدياً جديداً للبقاء.
في أعماق هذه المر الغائر وعلى الرغم من قبضة الألم المحكمة انبثق الحو بنكهة سودانية أصيلة كنبتة عنيدة تشق الصخر لتطل برأسها، تجل هذا الحلو في تلاحم الناس في يد تمتد لأخرى دون سؤال، في كسرة خبز تقسم بين جائعين،وفي ابتسامة طفل لا تزال تُشرق رغم كل شيء، إنه الحلو الذي يكمن في روح التكافل السوداني العميق، في الفزعة التي تجدها بين الجيران في خيمة نازح تشارك فيها دفء قلبه رغم برودة الليل، إنها الحلو الشاي باللبن الذي يقدم في عز الأزمة وفي قهوة الجبنة التي تجمع الأرواح حول نار موقدها حتى لو كانت في عراء النزوح.
الحلو ليس هروب من الواقع لأنه سلاح للمقاومة إنه الإيمان بأن هذه الأرض الطيبة التي روتها دماء الأجداد تستحق أن تعود إليها الحياة ببهائها، هي حكاية الصبر حكاية الشجن الذي يختلط بالأمل والألم الذي لا يمحي الابتسامة، السودان منذ 2023م، أصبح كتاب مفتوح يروي فصول قسوة الظروف وفي الوقت ذاته يقدم دروس في الصمود والوفاء للحياة، يبقى السؤال معلق في الأجواء متى يرتفع صوت الحلو ليعلو فوق المر برمضان 2026م كما ارتفع صوت المر فوق الحلو في رمضان2023م ويهدأ الصراع لتتجدد قصة الوطن؟
