د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com
في خضم طوفان الكلمات الذي يجرفنا عبر اثير العنكبوت نتوقف أحياناً امام عبارات لا تقال باللسان فحسب بل تحفر في الوجدان عبارات تقاطر الحقيقة المرة وتعانق الماً لا حد له من خلال رسائل رواد وقراء مقال العنكبوت التي تصلني بالخاص، منها الرسالة التي وصلتني تعليقاً من مولانا محمد صالح التي رسم لنا بفرشاة تعليقاً لوجع المشهد السوداني بوصف الحرب بانها (تقطر دماً وتلد ايتاماً وارامل وثكالى وجرحى واسرى مفقودين) تكثيف بلاغي مذهل يختصر في جملة واحدة مجلدات من الفجيعة ويجسد كل صنوف الخسارة البشرية من دماء نازفة الى ارواح منتزعة من اجسادها الصغيرة والكبيرة بتسع كلمات، كصورة حية تتسرب الى شغاف القلب لتريك كيف تمزق الحرب نسيج المجتمع، وتحول البشر الى ارقام في سجلات الموت والفقدان، جملة تلامس جوهر المأساة وكانها مرآة عاكسة لمشاهد البؤس التي تنسجها يد القدر القاسية.
عبارة مولانا محمد صالح: (تقطر دما وتلد ايتاما وارامل وثكالى وجرحى واسرى مفقودين) ليست مجرد تعداد للخسائر البشرية لوحة سوريالية تصور كيف تتحول الحياة نفسها الى آلة قاسية للانتاج الفجيعي، الدم المتقاطر هو ليس فقط ذاك الذي يسيل من الجسد بل نزيف الروح نزيف القيم نزيف الامل، لأنها ليست ولادة لاطفال فحسب بل ولادة للثكل للوحدة للغياب، فكل يتيم وارملة وثكلى يمثل قصة كاملة من الحياة سطرت نهايتها بضربة قدر قاس وكل جريح اسير او مفقود هو شق في جدار المجتمع ندبة لا تندمل كخلاصة مكثفة لاقصى درجات التشظي الانساني والاجتماعي.
فالخيوط اليوم ليست من حرير بل من خوف وياس وريبة، تتغلغل هذه الخيوط في ادق تفاصيل الحياة تعيق الرؤية الواضحة وتشوه الفهم وتلوث النفوس، ما كان يرى بالامس حقاً وباطلاً خيراً وشراً، يتبدل اليوم فتتغير معه معايير البشر بتلك الاشكال التي نراها في الناس نتيجة مباشرة لمجلدات الفجيعة السودانية المسمومة، فذاك الذي يعشق الدنيا ليس مجرد مدمن ملذات ربما هو شخص فقد ايمانه بكل ما هو اسمى فصار يتعلق بالزائل خوفاً من العدم الذي تلوح به الحرب، انه يرى في المادة ملاذه الاخير من فناء يترصده أو ربما هروباً من فداحة الواقع المحيط به،
اما من يعبد المال تجسيد اخر لفساد الروح ففي زمن الفوضى يصبح المال القوة العظمى والوسيلة الوحيدة للبقاء او للسيطرة حتي لو كان ثمنه دماء الاخرين وخراب القيم انه استغلال بشع لضعف الضعفاء ولحاجة المحتاجين بتلاشى الاخلاق امام بريق الذهب الذي يعتقد انه قادر على شراء الامان في عالم لا امان فيه، وأكثرهم إيلاماً منباع الاخرة ولم يلق لها بالا بانهيار بوصلة القيم الاخلاقية والدينية فقدان الايمان بالجزاء والحساب وتجرد النفس من اي رادع روحي بقمة التدهور البشري وبتلاشى المعنى الاسمى للوجود ويصبح الانسان مجرد كائن مدفوع بغرائزه الدنيا لا يرى ابعد من لحظته الراهنة ولا يكترث لعواقب افعاله على المدى الطويل او الابدي، كل هذه الاشكال تخبرنا ان الحرب لا تقتل الاجساد فقط بل تصيب العقول والقلوب بالجنون وتغير جوهر الانسان وتحوله الى نسخة مشوهة من ذاته، في متاهة عنكبوتية لا ترحم.
عبارة مولانا محمد صالح البليغة بالتفكيك الجمالي المرتبط بها (تقطر دماً وتلد ايتاماً وارامل وثكالى وجرحى واسرى مفقودين) يعيد تأكيد حقيقة في اشد حالات الظلمة يصبح النور الكاشف لحقيقة الانسان ويجسد صوته الخالد في وجه الفناء مسجلاً بمداد من الم صفحات لا تنسى من تاريخ الوجع الانساني.
