الأبريق: فكي جبريل

ديسمبر 23, 2025

حامد مدلل
قديماً قالوا: شق الديار علم، 
ولا تعرف خيري حتى تتصل بغيري. 

الحرب كلها سلبيات، لكن فيها بعض قليل من الإيجابيات، خاصة بالنسبة لي كصاحب نظرة اجتماعية. منذ أن ركبت عربة التهريب من بورتسودان إلى مصر توضأت بالأبريق، حيث اذا انقلبت العربة ومت  أموت متوضئاً، وفقاً لما سمعته من مخاطر السفر بالتهريب. 

دخلت مصر وأنا أبحث عن الأبريق ولم أجده. ظننت أولاً أنه غير موجود في هذه المنطقة، وقد أجده في مكان آخر. لكنني علمت لاحقاً أنه لا أبريق في مصر؛ فالناس يتوضؤون بالماسورة أو ببعض الأواني. والأبريق أريح، موفر للماء، فلا إسراف فيه. كما أنه مفيد لمن يستعمله خارج الحمام أو من يذهب إلى الخلاء، حيث لا خلاء في مصر. 

يا حليلك يا الأبريق، 
يا حليلك يا فكي جبريل. 

من الفوارق أن الناس في مصر جادّون وعاملون. لم أشاهد شباباً “رمتالة” متكئين على الحيط كما في السودان. الكل يعمل، كبير وصغير، وحتى المارّ في الطريق تراه يمشي بجدية وبسرعة، سواء كان ذاهباً إلى عمله أو عائداً منه. 

الأسرة كلها تعمل ولا تعتمد على فرد واحد كما عندنا في السودان. 

إن شاهدت المصلين في المساجد لظننت أنه لا أحد يترك الصلاة، وإن رأيت المارة في الطريق وقت الأذان لظننت أنه لا أحد يصلي. الناس تتحرك في شكل كتل بشرية، والعربات مسرعة بصورة جنونية. ولو رأيتهم لاعتقدت أن حوادثهم كثيرة، لكن العكس صحيح؛ فلا حوادث لهم رغم اختلاف موديلات العربات، قديمها وجديدها. المصري يهتم بعربته جداً من حيث الصيانة والنظافة، ولا ترى عربة يخرج منها دخان يلوث الجو. أهم شيء عندهم في العربة هو البوري والفرامل. 

ورغم كثرة العربات لا توجد زحمة، لأنه لا توجد عندهم إشارات مرور (الاصطوبات) كما عندنا في السودان، حيث تولع أحمر ثم أخضر. ولا ترى عربة متعطلة في الشارع، ولا أحد يقول لك: “لو سمحت دفرة”. 

نحن كشعب سوداني نأكل مع بعض، ونقول إن أكل الجماعة فيه بركة. وما زلنا نمارس هذه العادة في شققنا في مصر وفي الشوارع. لكن المصري لا يأكل معك إطلاقاً، رغم أنني صادقت كثيراً منهم. وإن دعوته ليشاركك في الطعام يعتذر. 

عندنا في السودان، من دعوته في بيتك وأكل أو شرب، خلاص تأمنه ونقول: الملح والملاح أمرّ من السلاح بل يسمونه(اللنقي) بكسر اللام الثانية والقاف. بل هنالك قبيلة – لا أذكر اسمها – إذا جاء أحد أفرادها ضيفاً عندكم، قد يرفض الطعام أو الشراب بحسبان أن له عدواً داخلكم أو علاقة سرية مع امرأة منكم. لذا لا يأكل طعامكم ولا يشرب شرابكم. لكن إذا أكل أو شرب، يلجمه ذلك عن العداوة ويمنعه عن العلاقة مع تلك المرأة، لأنه أكل الملح والملاح يعتقدون ان اللنقي ياذيه بموت أولاده او تصبه الصاقعة او النار تشتعل في بيته او تموت ابقاره. والغريب أن من نزل عندهم ورفض أكلهم، يفرشون له الفراش ويطلبون من جيرانهم أن يطعموه حتى يغادر، لأنه صادق معهم وأفصح عمّا بداخله، ويعتبرونه غير خائن، بل يرونها صفة حميدة. 

مطعم بجوار شقتي نأكل فيه أحياناً جماعة، رغم وجود أهلنا. يكون المصري معنا، نتونس ونجهز الحلة ونسبكها وهو يرى، وحين نقول له: “تفضل”، يعتذر. 

الشعب السوداني متفرد في أشياء كثيرة، منها الكرم والإيثار. ورغم أن الحرب فعلت فيه الأفاعيل، لكنه لم يتخلَّ عن طيب عاداته. 

ومن إيجابيات الحرب – وأنا نازح في كوستي – أن الأطباء الأخصائيين الكبار الذين كانت مقابلتهم في الخرطوم بمبالغ خرافية وتأخذ مواعيد شهراً أو أكثر، تقابلهم في كوستي بعد الحرب بمبلغ بسيط جداً، وتجده جالساً بجوارك تحت الشجرة عند ست الشاي. وتندهش وتقول: “ده ما دكتور فلان الفلاني الأخصائي الكبير؟ يصعب أن تراه بالعين، وها هو جالس جنبي يتجاذب معي الحديث”. 

فيما معنى الآية: جعل النهار معاشاً والليل لباساً، عكس الناس الآية في مصر تماماً؛ فالناس تنام في النهار وتصحى في الليل، حتى الأطفال. 

عنوان الخاطرة “الأبريق”، لكن جرت بنا إلى مفارقات شتى. 

من فرط حبي للأبريق سأبحث عنه كثيراً، وإن لم أجده سأذهب إلى مصنع الأواني البلاستيكية ليصنع لي “فكي جبريل انا  معترض على تسمية الابريق جبريل لانه ملك الوحي كما أن الناس تعتقد انك لا يمكن أن تنط الابريق الا ووطاته بعض بائعات الخمر(العرقي) تستغل الابريق كساتر حيث تملاه عرقي وبجواره صبارات مملوءات بالشاي والجبنة اذا حضرت وان زبون شاي يكلب لك من الصبارة واذا انت زبون خمر يكلب لك من الابريق والاثنين تشربا جنب بعض ولا تدري ان جارك يشرب عرقي لان الابريق يبعد الشبهات”. 

أي سوداني نزح داخل السودان أو خارجه، وقارن بين حياته السابقة وما هو عليه الآن، خرج بدروس مستفادة تعدل برامجه إذا انتهت الحرب وعاد لدياره. 

وداعاً إلى خاطرة أخرى. 
ولطفاً لا أمراً، أرجو التعليق لأنه يحفزني على كتابة الخواطر.