د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com
في غمرة الأزمات التي تعصف بوطننا الحبيب السودان وتتوالى فصولها الدامية وتتداخل مسبباتها المعقدة، يبرز تساؤل جوهري يلح على كل ذي بصيرة، هل حان الوقت لمواجهة صادقة مع الذات على مستوى الفرد والجماعة والأمة بأسرها؟ إن مواجهة النفس ليست ترفاً فكرياً أو تنظيراً مجرداً بل هي بوابة حتمية لمواجهة الآخر بأدوات تحليلية صارمة ومنهجية موضوعية، وهي الشرارة الأولى التي توقد مسيرة التغيير الحقيقي وحين نصل إلى هذه المواجهة الشجاعة نكون قد بدأنا بالفعل لأن البداية الصحيحة مهما بدت متواضعة لا بد أن تؤدي إلى تراكم بناء وصحي، هذا التراكم هو وحده القادر على صياغة مواطن سوداني مدرك وشجاع يعرف ما له وما عليه تجاه وطنه ومواطنيه وهو النوع الفريد من المواطنين القادر على نحت المستقبل وبناء دولة العدل والتصدي بصلابة لكل من يحاول المساس بحقه الشرعي والمشروع على تراب هذا الوطن الغالي.
إن استيعاب ما حل ويحل ببلادنا ليس مجرد سرد للأحداث أو رصد للتفاصيل بل مفتاح لفهم عميق لواقعنا المعقد ومحيطنا المضطرب، فكم من مرة انقادنا إلى قرارات مصيرية دون تمحيص كاف أو تحليق في فضاء النوايا الخفية والأجندات المستترة التي تطبخ على نار هادئة بعيداً عن أعين من يحسبون أنفسهم أصحاب القرار الحقيقيين أو المتأثرين الأوائل، إن الفهم الدقيق لخبايا النوايا وما يحاك لمصائر الشعوب، هو وحده الكفيل بتحصين جبهتنا الداخلية وتوحيد صفوفنا.
إن تاريخ هذه الرقعة الجغرافية أرض السودان حافل بالدروس والعبر لمن أمعن النظر وتعمق في صفحاته فالتاريخ كما يصفه الفيلسوف الإيطالي بنديتو كروتشه، تاريخ معاصر أي قراءة للماضي بعيون الحاضر وعلى ضوء مشاكله الراهنة، إن مهمة المؤرخ وواجب كل مواطن حريص على مستقبل بلاده ليست مجرد تدوين للأحداث الغابرة بل هي بالدرجة الأولى تقويمها وتحليلها واستخلاص العبر منها لنتجنب تكرار الأخطاء الكارثية ونبني على الصواب والتجارب الناجحة، فكم من فرص أضعناها وكم من اتفاقيات لم تثمر وكم من دماء أُزهقت لأننا أهملنا قراءة التاريخ ودروسه القاسية.
وهنا أتوجه بنداء إلى كل بني وطني وشعبي لنتذكر كلمات نابليون بونابرت وهو في منفاه، بعد أن أدار له العالم ظهره قال بمرارة: لا أحد سواي مسؤول عن نكبتي فقد كنت وحدي ألد عدو لنفسي والمسبب المصيري، هذه الكلمات وإن قيلت في سياق فردي تحمل في طياتها حقيقة مرة تنطبق على كثير من الأمم والشعوب فهل أدركنا نحن السودانيون أننا في لحظات حرجة من تاريخنا كنا ولا زلنا ألد أعداء لأنفسنا؟ بتعزيز الانقسام وغض الطرف عن الفساد وتقديم المصالح الفئوية الضيقة على المصلحة الوطنية العليا، وبشحذ سيوف الكراهية والقبلية بدل مد جسور التفاهم والوحدة.
لقد شهدنا وما زلنا نشهد كيف أن غياب تلك المواجهة الشجاعة للذات على المستوى الوطني قد أدى إلى اتفاقيات وحدة لم تصمد وصراعات داخلية لم تتوقف وتفتيت للنسيج الاجتماعي، إن بناء مواطن سوداني مدرك وشجاع يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار ويعرف ما له وما عليه تجاه أرضه وشعبه هو السبيل الوحيد لخلق المستقبل المنشود، لنقرأ تاريخنا بعمق ولنواجه حقائقنا بصدق ولنبدأ من جديد بقلوب عامرة بالإرادة والعزيمة لبناء سودان يستحقه أبناؤه سودان تسوده العدالة والوحدة والمحبة، وتصان فيه كرامة الإنسان على ترابه الطاهر. فالمستقبل يبدأ من حيث تنتهي مواجهة الذات الصادقة.
