د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com

تصريح السناتور الأمريكي ماركو روبيو نقطة مركزية تستدعي تفكيكها بتمعن بعد ادعاؤه (بأن دونالد ترامب يهتم بقضية السودان شخصياً ولا يرسل مندوبين لفعل هذا لأنه القائد الوحيد في العالم القادر على إنهاء الحرب) التصريح ليس مجرد خبر عابر  بل خيط أساسي في شبكة معقدة من السياسة والمصالح والواقع مما يتطلب نظرة عنكوبتية ترصد الروابط الخفية والظاهرة حتي نتمكن من تفكيك هذا التصريح وأبعاده.
فالخيط الأول يتعلق بـ اهتمام ترامب الشخصي ودلالاته وخلفياته فهل يعكس هذا الاهتمام نهج دقيق ومدروس أم أنه مجرد استعراض للقوة الفردية؟ ففي عرف الدبلوماسية توكل القضايا المعقدة غالباً إلى مبعوثين متخصصين لديهم الخبرة والمعرفة التفصيلية، ولذلك قد يؤول القول بأن ترامب لا يرسل مندوبين إلى تفرد في اتخاذ القرار أو ربما إلى تجاهل للآليات الدبلوماسية التقليدية، وهو ما اتسم به جزء كبير من سياسته الخارجية التي رفعت شعار أمريكا أولاً،  ومن الواضح أن هذا التأكيد يصب في المقام الأول نحو بناء صورة لترامب كزعيم استثنائي يتجاوز البيروقراطية ويضع ثقله شخصياً في القضايا.
الخيط الثاني في هذه الشبكة فيدور حول فكرة القائد الوحيد في العالم القادر على إنهاء الحرب وهي عبارة تتأرجح بين المبالغة والواقعية إذ إن القول بأن ترامب هو الوحيد القادر على إنهاء الحرب في السودان يمثل مبالغة دبلوماسية وسياسية كبرى، فالصراع في السودان له جذور عميقة ومتعددة الأبعاد تشمل قضايا الحكم وتوزيع السلطة والموارد،فضلاً عن التعقيدات الحربية الجارية الآن لا يمكن لزعيم واحد مهما بلغت قوته أن ينهي صراع بهذا التعقيد بمعزل عن جهود إقليمية ودولية أوسع نطاق تتضمن بالضرورة مشاركة أطراف النزاع أنفسهم، هذه الفرضية تتجاهل تماماً دور الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والجهات الإقليمية الفاعلة كالسعودية ومصر إضافة إلى اللاعبين الدوليين الآخرين، لذا فإن أي حل مستدام للسودان يتطلب توافق إقليمي ودولي واسع لا مجرد قرار فردي، وحتى عند مراجعة سجل ترامب في فض النزاعات الدولية نجد أنه استطاع تحقيق نجاح في تطبيع العلاقات بين بعض الدول العربية وإسرائيل، وليس له تجربة تدخل بشكل مباشر في تسوية صراعات داخلية معقدة مثل الصراع في السودان بل اتسمت سياسته الخارجية غالباً بالانسحاب من البؤر الساخنة أو تفويض الأدوار لآخرين.
ويأتي الخيط الثالث ليسلط الضوء على توقيت هذا التصريح ودوافعه السياسية لتعزيز صورة ترامب كزعيم عالمي قادر على حل المشكلات ربما بهدف ترسيخ دعم قاعدته ودوافع شخصية روبيو لتعزيز مكانته داخل الحزب الجمهوري وإظهار ولائه التام لترامب مما قد يعود عليه بفوائد سياسية مستقبلية.
أما الخيط الرابع والأخير فيرصد تداعيات هذا التصريح على السودان متأرجح بين الأمل الزائف والمخاطر، فمثل هذا التصريح قد يزرع أمل زائف لدى الشعب السوداني بأن هناك مخلص قادم قادر على إنهاء معاناتهم بلمسة واحدة وهذا بدوره قد يصرف الانتباه عن ضرورة الحلول الداخلية والضغط الدولي المنظم، كما أن تبسيط الأزمة السودانية إلى حد يرى أن قائد واحد يمكنه حلها يقلل من حجم المأساة وتعقيداتها وقد يؤدي إلى حلول قاصرة لا تعالج جذور المشكلة الحقيقية.

وهكذا عندما نجمع خيوط هذه الشبكة يتبين لنا أن تصريح ماركو روبيو ليس مجرد شهادة على قوة ترامب المزعومة بل انعكاس واضح لكيفية استخدام القضايا الإنسانية المعقدة كورقة في اللعبة السياسية الداخلية حيث تتداخل المصالح الانتخابية مع آمال الشعوب المقهورة مما يخلق صورة أبعد ما تكون عن الواقع الميداني المعقد في السودان.