د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com

في زاوية بعيدة من شبكة العالم المعقدة حيث تتشابك خيوط المصالح السياسية مع صرخات الإنسانية، تنسج مأساة السودان خيوطاً دموية جديدة خيوطاً باتت تمتد عبر القارات لتلامس جدران مبنى الكابيتول في واشنطن بتراقص أروقة السلطة على إيقاع الأجندات المتغيرة، بدأ تململ خفي أشبه بحركة عنكبوت يلتقط اهتزازاً بعيداً في شبكته ينذر بوجود فريسة أو خطر قادم.

سنتين واقتربنا علي الثالثة والسودان يغرق في أتون حرب وحشية من صور الأطفال الجوعى وقصص الاغتصاب الممنهج ومشاهد النزوح الجماعي وحملات التطهير العرقي التي تذكر بدارفور لا زالت تتوالى، هذه ليست مجرد أخبار عابرة إنها شظايا واقع مرير كل شظية تُمثل اهتزازاً في الفضاء الإنساني اهتزازاً لا يمكن تجاهله إلى الأبد.
الكونغرس الأمريكي الذي يغلب عليه في أحيان كثيرة الصمت حيال الأزمات البعيدة، يراقب الموقف في البداية بعين حذرة ثم بعبارات الإدانة المعتادة ولكن مع تصاعد وتيرة العنف وتحول المناطق السكنية إلى مقابر جماعية بدأت تلك العبارات تتخذ طابعاً أكثر حدة بدأت بعض الخيوط في شبكة الكونغرس تستشعر ثقلاً جديداً.

مؤخراً بعد لقاء ترامب وسلمان وبداخل لجان العلاقات الخارجية وحقوق الإنسان يمكن للمرء أن يلمس هذا التململ لا يتعلق الأمر بمجرد إحساس بالواجب الأخلاقي فحسب بل يمتد إلى قلق متزايد بشأن المصداقية الأمريكية على الساحة الدولية وتساؤلات حول فعالية سياساتها الخارجية.،لقد طُرحت أسئلة محرجة: هل كان العالم والولايات المتحدة على رأسها بطيئاً في الاستجابة؟ هل تكرر التاريخ نفسه وتُركت شعوب تُذبح بينما يتشابك الدبلوماسيون في حلقات مفرغة؟ فشهادات الخبراء والناشطين ومواقع صنع القرار وتقارير المنظمات الدولية التي تفصّل فظائع لا تُصدق كلها تعمل كخيوط رفيعة ولكنها قوية تسحب الانتباه نحو الكارثة السودانية، أعضاء الكونغرس الذين يمثلون أصوات ملايين المواطنين يجدون أنفسهم أمام ضغط مزدوج: ضغط الضمير الإنساني وضغط المكونات التي تتوقع من قادتها أن يقفوا ضد الظلم.

لكن نعلم أن شبكة الكونغرس مثل أي شبكة عنكبوت ليست موحدة، إنها مجموعة من الخيوط المتشابكة بعضها قوي وبعضها واهٍ وكل خيط يمثل مجموعة مصالح وأولويات مختلفة، فبينما ينادي البعض على ضرورة فرض عقوبات أشد وتدخل دولي لحماية المدنيين، يخشى آخرون من عواقب التدخلات الخارجية المعقدة مستذكرين إخفاقات سابقة، وهناك من يركز على الأمن القومي الأمريكي ومن يرى في السودان حلقة ضمن صراع أوسع على النفوذ الإقليمي، هذا التباين في الرؤى يخلق نوعاً من الشلل، حيث تتحرك الأطراف ببطء وحذر مثل عنكبوت يزن خطواته قبل أن يلتهم فريسته أو يتراجع عن مواجهة خطر كبير، التململ إذاً ليس دائماً مؤشراً على وشك اتخاذ قرار حاسم، بل قد يكون انعكاساً لصراع داخلي على تحديد المسار الصحيح.

في النهاية شبكة الكونغرس تستقبل الإشارات من السودان وتستشعر الاهتزازات، يبقى السؤال الأكبر معلقاً: هل سيتمكن هذا التململ من أن يتجسد في فعل حقيقي ومنقذ؟ أم سيظل مجرد اهتزازات، دلالة على إدراك المأساة دون القدرة على فك شباكها؟ فمصير ملايين السودانيين معلق على خيوط الأمل واليأس، بينما في واشنطن تتأرجح خيوط شبكة السياسة تستشعر تتفاعل لكنها لم تحسم بعد أي نوع من الاستجابة ستنسج في وجه أفظع الكوارث الإنسانية في عصرنا.