في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، أثار توقيع “اتفاقية مكة” الدفاعية بين المملكة العربية السعودية، وتركيا، وباكستان، تساؤلات واسعة حول أسباب عدم انضمام مصر لهذا التكتل، رغم تصنيفها كـ”شريك طبيعي” من قبل الأطراف الموقعة.
وتكشف قراءات تحليلية ومصادر مطلعة، أن الموقف المصري لا يعبر عن معارضة للتحالف في حد ذاته، بل ينبع من رؤية استراتيجية مغايرة للمنطقة، تُعطي الأولوية للحلول السياسية والدبلوماسية على حساب التكتلات ذات الطابع العسكري البحت.
أولوية الحلول السياسية
أكدت مصادر مصرية مطلعة أن القاهرة تتبنى سياسة “المسافة الآمنة” التي تهدف إلى الحفاظ على دورها كوسيط إقليمي قادر على احتواء الأزمات. وترى القيادة المصرية أن الانخراط في تحالفات دفاعية قد يُنظر إليها كأطراف في صراعات إقليمية، مما يقلص من قدرة الدولة على لعب دور الوساطة الفعال بين القوى المتنازعة، خاصة في ظل التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإيران.
وتؤكد القاهرة على قناعتها بضرورة إيجاد مسار للتعاون العربي-الإسلامي يشمل القوى الفاعلة في المنطقة – بما فيها إيران – باعتبار أن التصعيد العسكري سيؤدي إلى “خسارة الجميع”، ولن يضمن استقراراً مستداماً، بل قد يفتح جبهات صراع جانبية تنهك مقدرات الدول العربية.
المخاطر الاقتصادية والأمن القومي
وعلى الصعيد الاقتصادي والأمني، تبدي مصر حذراً شديداً تجاه الانزلاق إلى صدامات عسكرية. وتشير التقارير إلى أن استراتيجية الأمن القومي المصري تضع حماية الملاحة في قناة السويس وتأمين باب المندب كأولوية قصوى. وتخشى الدوائر المصرية من أن تؤدي التحالفات الدفاعية إلى ردود فعل تصعيدية قد تقود في نهاية المطاف إلى حالة من الشلل الملاحي أو تبديد القدرات الاقتصادية في حروب بينية.
كما تسعى القاهرة للابتعاد عما تصفه بـ”الرؤية الأميركية-الإسرائيلية” للمنطقة، والتي ترى فيها مصر محاولة لإعادة صياغة الخريطة الإقليمية بما يخدم أهداف التوسع الإسرائيلي، مقابل إضعاف دول المنطقة.
مقترح الآلية الرباعية
في المقابل، تدفع مصر نحو تفعيل إطار مؤسسي للآلية التشاورية التي طرحها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال لقائه بوزراء خارجية الدول الثلاث (السعودية، تركيا، باكستان) في يونيو الماضي. وتأمل القاهرة أن تتحول هذه الآلية إلى إطار سياسي “مؤسسي” يهدف لاحتواء الأزمات، وليس مجرد تكتل عسكري.
وتشير المصادر إلى أن الموقف المصري من “اتفاقية مكة” أو التحالفات البحرية المماثلة، لا يزال قيد الدراسة والتقييم، مع تأكيد على أن أي مشاركة مستقبلية يجب أن تمر عبر الأطر الدستورية والقانونية والبرلمانية، وأن تكون مسبوقة بوضوح حول “المغزى السياسي” لأي تحالف، لضمان توافقه مع المصلحة الوطنية المصرية التي تنأى بنفسها عن التورط في أي مواجهات عسكرية غير محسوبة العواقب.
خلاصة
يجمع المراقبون على أن عدم انضمام مصر للتحالف حتى الآن لا يعني قطيعة، بل هو تعبير عن تمايز في الرؤى حول كيفية إدارة أزمات الإقليم؛ حيث تختار القاهرة طريق “الوساطة والاحتواء السياسي” كاستراتيجية لحماية الأمن القومي وتجنب الفوضى، بينما تتبنى دول التحالف مقاربة دفاعية تعزز الردع المشترك.
