كشفت أحدث المؤشرات الاقتصادية عن دخول السودان في مرحلة انهيار اقتصادي غير مسبوق، مدفوعاً باستمرار النزاع المسلح الذي دخل عامه الثالث، مما أدى إلى تآكل بنيوي في مقدرات الدولة، وتراجع غير مسبوق في مستوى المعيشة، وسط تحذيرات دولية من آثار كارثية قد تمتد لعقود.

انهيار العملة وتصاعد التضخم
سجل سعر صرف الجنيه السوداني تدهوراً حاداً، متجاوزاً حاجز الـ 6 آلاف جنيه مقابل الدولار الواحد في السوق الموازية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على القوة الشرائية للمواطنين. وفي سياق متصل، أظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء قفزة كبيرة في معدل التضخم السنوي ليبلغ 51.28% في شهر يونيو الماضي، مقارنة بـ 44.50% في مايو، مع ارتفاع متسارع في التضخم الشهري، مما يعكس الضغوط الهائلة على تكاليف المعيشة.

ولم تسلم أسواق الذهب من هذا التراجع، حيث لامس سعر غرام الذهب الخام حاجز الـ 700 ألف جنيه، في ظل اعتماد الاقتصاد المتزايد على المعدن الأصفر كمصدر وحيد للنقد الأجنبي بعد توقف القطاعات الإنتاجية الحيوية.

مفارقة “النمو” والواقع الاقتصادي
في الوقت الذي تشير فيه تقديرات وزارة المالية التابعة لسلطة بورتسودان إلى احتمالية تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 9% خلال عام 2026، يرى خبراء اقتصاديون أن هذه الأرقام تفتقر للسياق الواقعي. ويوضح المحللون أن هذا النمو، إن تحقق، يعود إلى ما يُعرف اقتصادياً بـ “أثر القاعدة المنخفضة” (Low Base Effect)، حيث يأتي بعد انكماش حاد في الناتج المحلي الإجمالي بلغ 29.4% في عام 2023، و14% في عام 2024، مما يعني أن أي تحسن طفيف لا يمثل تعافياً حقيقياً للاقتصاد أو تحسناً في مستوى دخل الفرد.

عقود من التراجع التنموي
وأكدت دراسة مشتركة صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية أن الحرب قد أعادت الاقتصاد والتنمية في السودان إلى الوراء بما يزيد عن 30 عاماً. وتشير التقديرات إلى خسائر فادحة تجاوزت 6.4 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي في عام واحد، مع انزلاق نحو 7 ملايين شخص إضافي إلى دائرة الفقر المدقع. وتتوقع الدراسات سيناريوهات قاتمة حال استمرار النزاع حتى عام 2030، حيث قد تتجاوز معدلات الفقر المدقع 60% من إجمالي السكان.

أزمة أمن غذائي خانقة
تتجاوز التداعيات الأرقام المالية لتصل إلى كارثة إنسانية؛ إذ تتوقع شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET) أن يحتاج ما بين 22 و23 مليون سوداني إلى مساعدات غذائية إنسانية عاجلة حتى سبتمبر المقبل. وتواجه مناطق واسعة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق مستويات “الطوارئ” الغذائية، مع خطر الانزلاق إلى مرحلة “الكارثة” (التصنيف الخامس)، في ظل عجز الاستجابة الإنسانية عن تغطية سوى 20% من الاحتياجات الفعلية.

خلاصة
يجمع المراقبون على أن الاقتصاد السوداني يواجه تحدياً وجودياً يتجاوز مجرد تقلبات العملة، ليصل إلى تهديد طويل الأمد لقدرة البلاد على التعافي. ويشدد الخبراء على أن العودة لمسارات التنمية تتطلب استثمارات ضخمة وإصلاحات مؤسسية عميقة، وهي أهداف تبدو بعيدة المنال في ظل استمرار الحرب التي تستنزف الموارد البشرية والمالية وتدمر البنية التحتية الأساسية.