إعداد:مهند عثمان التوم أحمد
مقدمة
السلطان علي دينار (حوالي 1856–1916) هو آخر سلاطين سلطنة دارفور المستقلة التي كانت تقع غرب السودان. حكم نحو أربعة عقود (تقريباً من 1898 حتى 1916) وتميّز عهده بمحاولة الحفاظ على استقلال دارفور في مواجهة التغيرات الإقليمية والانتداب الأوروبي في القرن العشرين، وبمحاولاته للموازنة بين العرف السياسي المحلي والضغوط الخارجية وخاصة من بريطانيا والمصرين وإمبراطورية عبد الحميد العثمانية سابقاً، يمثل عهده مرحلة فارقة في تاريخ دارفور: انتقالاً من سلطنة إقليمية قائمة بذاتها إلى إدماجها في الدولة السودانية الحديثة تحت النفوذ البريطاني.
السياق التاريخي قبل علي دينار
– تأسست سلطنة دارفور الحديثة في القرن السابع عشر وتوسعت وتحولت إلى دولة إقليمية ذات نظام سلطاني وراثي.
– في القرن التاسع عشر واجهت دارفور ضغوطاً من هجمات الجهاديات والمعارك مع مصر العثمانية وكذلك من الدول الأوروبية المتنافسة على النفوذ في إفريقيا.
– الاحتلال المصري-الأجنبي للسودان في أواخر القرن التاسع عشر وانهيار المركزية أعاد تشكيل الخريطة السياسية، وبرز في هذه المرحلة ثورة المهدي التي أحدثت فراغاً سلطوياً في مناطق عديدة.
صعود علي دينار إلى السلطة
– علي دينار من أسرة السلاطين الفيّورية، تولّى الحكم بعد سلسلة من الاضطرابات والانقلابات التي أعقبت انهيار النظام القديم، استغل مهارته في بناء تحالفات قبلية وتقليدية لتثبيت سلطته.
– استدعى بعض الدعم من السلطات العثمانية وبعض الحركات الإقليمية، لكنه ظل يعتمد في جوهره على بنية القوة القبلية المحلية ووظائف السلطة التقليدية في دارفور.
الهيكل السياسي والاجتماعي في عهده
– حافظ علي دينار على مؤسسات السلطنة التقليدية: جهاز حاكم مركزي يعتمد على الأسرة الحاكمة ونبلاء محليين (الأمراء والأعيان).
– تعامل مع التركيبة القبلية لدارفور التي تضم الفور، والعديد من المجموعات العربية والافرو-عربية، ووازن مصالحها عبر نظام توزيع المناصب والهدايا السياسية.
– لعب الدين والدين الإسلامي دوراً محورياً في شرعية حكمه، مستفيداً من تقاليد الشريعة والعرف المحلي.
السياسات الداخلية والاقتصادية
– ركّز على تأمين قواعد سلطته عبر ممارسات تقليدية: تعيين ولاة محليين، فرض ضرائب ومجون وجبايات تقليدية، وتنظيم العلاقات مع القبائل الرعوية والزراعية.
– عانى الاقتصاد الدارفوري من قيود بنيوية: تذب المحاصيل، الاعتماد على تجارة الإبل والماشية، ونقص البنى التحتية. ومع ذلك حافظت السلطنة على شبكة تجارية إقليمية مع السودان الأوسط وتشاد وأقاليم حوض النيل.
– سعى للحفاظ على الأمن الداخلي والحد من الثورات القبلية عبر مزيج من الإقناع والسياسة واللجوء أحياناً للقوة.
العلاقات الخارجية والتحالفات
– تعامل مع مصر ذات النفوذ العثماني سابقاً ثم مع بريطانيا بعد احتلال مصر ووصول النفوذ البريطاني للمنطقة. حاول التنقل بين قوى إقليمية للحفاظ على استقلال دارفور.
– أقام علاقات متقلبة مع السلطات المصرية-البريطانية: أحياناً اتسمت بالمهادنة وأحياناً بالعدائية الخفيفة في محاولة لدرء التدخل المباشر.
– حافظ على تواصل وتجاذب مع القوى الإقليمية المجاورة (تشاد، دارفور الكبرى، مناطق شمال إفريقيا الداخلية) لتأمين الموارد والقبول السياسي.
دور علي دينار في الحرب العالمية الأولى
– مع اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914–1918) تحوّل الصراع الأوروبي إلى ساحة للتنافس الإمبراطوري في إفريقيا. علي دينار رأى في التوتر بين الدولة العثمانية وبريطانيا فرصة لتعزيز موقفه أو استغلال دعم ممكن من الخصوم البريطانيين.
– سُنّ العراقيل والشكوك من جانب البريطانيين تجاهه بعد إعلان الدولة العثمانية الحرب على الحلفاء، خاصة وأن بعض الحكّام المسلمين في المنطقة أعلنوا ولاءً للعثمانيين أو تآمروا مع القوى المناهضة لبريطانيا.
– اتُهِم علي دينار بتقديم مساعدة رمزية أو متوقعة لعناصر مؤيدة للعثمانيين/الألمان، أو على الأقل بتأييد رمزي لموقف إسلامي معادٍ للنفوذ البريطاني. هذا الموقف دفع السلطات البريطانية إلى تصعيد تعاملها معه.
التدخل البريطاني وضم دارفور
– رأت بريطانيا ضرورة تحييد دارفور من أي تحالفات مع الأعداء ولتأمين طريق النيل وعمق السودان. في 1916 أطلقت بريطانيا عملية عسكرية بقيادة الجنرال ريتشارد مايرز (أو حملة عسكرية بريطانية-مصریة-إفريقية) ضد سلطنة دارفور.
– انتهت الحملة بهزيمة علي دينار وفراره ثم موته في نفس العام (1916) أو مقتله لاحقاً بحسب بعض الروايات، وانتهى حكم الأسرة الحاكمة المستقلة. تم ضم دارفور إدارياً إلى السودان الخاضع للانتداب الثنائي (المصري-البريطاني تحت سيطرة فعلية بريطانية).
– سيطر البريطانيون بعدها على مفاصل الحكم وتولّوا إعادة ترتيب الإدارة المحلية، مستبدلين بعض المؤسسات التقليدية بهيئات تحت إشرافهم، ومع ذلك تركوا أثراً من الإدارة التقليدية في بعض المجالات.
أسباب انهيار سلطنة دارفور
– التوازنات العسكرية والتقنية غير المتكافئة: تفوق البريطانيين عسكرياً ولوجستياً.
– الفراغ الدولي والإقليمي خلال الحرب العالمية الأولى سمح للبريطانيين باتخاذ إجراءات حاسمة بعيداً عن رقابة كبيرة.
– ضعف اقتصادي وإداري داخلي داخلي لدى السلطنة مقابل قدرة الإمبراطورية البريطانية على تعبئة الموارد.
– تهميش التحالفات الإقليمية وعدم قدرة علي دينار على تأمين دعم فعال من قوى إمبراطورية منافسة.
إرث علي دينار وتقييم تاريخي
– يُنظر إلى علي دينار كشخصية مركبة: زعيم محلي حافظ على استقلال إقليمي لأطول فترة ممكنة في وجه توسع القوى الاستعمارية، لكنه أيضاً حاكم تقليدي لم يستطع تحديث الدولة أو بناء مؤسسات حديثة تواجه التحديات العصرية.
– في الذاكرة المحلية يُحتفى به أحياناً كبطل مقاوم للاستعمار، وفي تحليلات تاريخية أكاديمية يُقدّم نموذجاً لقيادة إقليمية حاولت التمايز بين الدين والهوية والسلطة التقليدية في عصر الإمبراطوريات.
– أثر سقوطه امتد إلى تشكل هوية إدارية وسياسية جديدة في دارفور ضمن إطار السودان، مع تداعيات على الانقسامات القبلية، الأوضاع الاقتصادية، ومسار الحركات السياسية في القرن العشرين.
خاتمة
كان عهد السلطان علي دينار مرحلة انتقالية مهمة في تاريخ دارفور؛ فقد حاول الحفاظ على استقلال سلطته في بيئة إقليمية ودولية مضطربة، لكنه اصطدم بقوة تدخل إمبراطوري منظّم أدت في النهاية إلى ضم دارفور إلى سلطة الانتداب. دراسة حكمه تُزود بفهم أعمق لعلاقات القوة الإقليمية في السودان وأثر الإمبريالية على بنى السلطة التقليدية.
قائمة المراجع
– عمر أحمد عبدالله، تاريخ دارفور الحديث. الخرطوم: دار النور، 2008.
– إبراهيم جبرا، تاريخ السودان الحديث. بيروت: دار العلم للملايين، 1995.
– فاطمة علي أحمد الاستعمار البريطاني وتأثيره على أنظمة الحكم التقليدية في السودان. مجلة الدراسات الإفريقية، العدد 23، 2012.
– سعيد عبد الرحمن محمد، علي دينار وسلطنة دارفور: دراسة تحليلية، دار النيل، 2010.
– عرفة السعيد، الانتداب البريطاني على السودان وتأثيره على دارفور، منشورات جامعة الخرطوم، 2015.
– أحمد الشكري التاريخ الشفهي في دارفور: مصادر وحوليات، مركز الدراسات الأفريقية، 2018.
– حسن علي ياسين، دارفور في العهد العثماني والانتداب البريطاني. الخرطوم: منشورات الجامعة، 2014.
