في وقت تهاوت فيه الكثير من مؤسسات الدولة السودانية تحت وطأة الحرب ووقفت فيه المنظمات الدولية عاجزة أمام حجم المأساة السودانية، يبرز ديوان الزكاة كقلعة صمود لا تلين ومظلة أمان امتدت لتشمل كل سوداني داخل وخارج البلاد ، لم يكن ديوان الزكاة مجرد مؤسسة حكومية تقليدية أضحى دولة داخل دولة بالمعنى الإيجابي للكلمة فهو الذي سد الفجوة وداوى الجرح بملحمة من العطاء.
كان الجميع يتوقع توقف عجلة ديوان الزكاة جباية وصرف نتيجة خروج أكثر من ثلثي مكاتب الديوان عن الخدمة، لكن برجال خلص وارادة لا تلين فاجأ ديوان الزكاة الجميع بتنفيذ كامل خطته وزيادة في سنوات الحرب بنسب تتجاوز الـ 100% سنوياً أرقام لا تكذب تعكس إرادة صلبة وتخطيطاً محكماً تجاوز حدود الأزمات، ففي الوقت الذي تعطلت فيه لغة الاقتصاد ظل ديوان الزكاة يتحدث بلغة الأرقام وصولاً إلى المحتاجين مؤكداً أنه المؤسسة الوحيدة التي تقوم بدورها وزيادة في أصعب اختبار وطني.
بالرغم من أن خلف هذا النجاح قصص لعاملين عليها تدمي القلوب، فالعاملون في ديوان الزكاة لم يكونوا بمنأى عن نيران الحرب منهم من نال الشهادة وهو يؤدي واجبه ومنهم من أصبح نازحاً داخل وطنه أو لاجئاً في دول الجوار ومنهم من أقعده المرض والإصابة ومنهم من شردت أسرهم وفقدانهم لمستقراتهم رغم ذلك لم يتخلى العاملون عليها عن رسالتهم جعلوا من معاناتهم وقوداً لخدمة الآخرين مقدمين نموذجاً فريداً في نكران الذات.
لقد طبق ديوان الزكاة مفهوم السيادة الوطنية في أبهى صوره فلم تكن خدماته حبيسة الجغرافيا المشتعلة امتدت يده للداخل السوداني بتوفير الغذاء والكساء والدواء ووصلت للخارج لتطال السودانيين في دول الشتات والنزوح مقدم الخدمات الصحية وتسهيلات العودة الطوعية ومن ضاقت بهم السبل، لقد كان المعيار الوحيد هو الجنسية السودانية ليكون الديوان هو السند والعضد لكل من يحمل اسم السودان في قلبه وهويته.
حين غابت المنظمات الدولية أو تباطأت وحين عجزت بعض المؤسسات الحكومية عن ملاحقة الاحتياجات المتزايدة كان ديوان الزكاة هو الرئة التي تتنفس بها حكومة السودان وجدناه في ردهات المستشفيات يدعم العلاج، وفي معسكرات النزوح يوفر الغذاء وخارج الوطن يسهل العودة، لقد استطاع الديوان أن يملأ الفراغ بفاعلية أذهلت المراقبين، مثبتاً أن المؤسسة الوطنية النابعة من قيم الدين والأخلاق هي الأقدر على البقاء والعطاء.
حقيقة لا تقبل الجدل لا تحتار عندما أقول إن ديوان الزكاة دولة داخل دولة فهو بالفعل كيان استطاع أن يدير الأزمة بعقلية الدولة الشاملة لأنه المؤسسة التي لم تنكسر واليد التي لم تقبض والقلب الذي اتسع لكل السودانيين فإن ما قدمه الديوان في سنوات الحرب سيظل محفوراً في ذاكرة الوطن، كشاهد على أن مؤسساتنا قادرة على صنع المستحيل إذا ما تسلحت بالإيمان والإخلاص.
حقاً السودان اليوم يتنفس بهواء ديوان الزكاة.
