د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com
توالدت مصطلحات من رحم الوجع السوداني عاكسة لسقوط أخلاقي واجتماعي لا يجوز السكوت عنه، فمن بين هذه المصطلحات التي برزت في أوساط الشباب مؤخراً تعبير صادم (الدرون) فالحديث هنا ليس عن طائرة بلا طيار ولا عن تكنولوجيا حربية ولا عن نتيجة لمباراة في كرة قدم بل عن مصطلح محمل بالقسوة يفسر الخدمة مقابل الجنس، بأن تضطر فتاة أو تدفع لإقامة علاقة جنسية مقابل خدمة أو مساعدة أو مأوى أو أكل أو علاج أو فرصة عمل، واقع مر عن الدرون في قاموس السقوط الجديد.
مع مصطلح الدرون فالحرب السودانية لم تقتل الناس بالرصاص فقط قتلت المعاني والقيم أيضاً، في بلد مزقته الصراعات وارتفعت كلفة كل شي حتى مست الكرامة بالدرون كصفقة غير معلنة بين راجل عنده مال وفتاة محاصرة بخيارات محدودة حتى كادت تفقد حق الاختيار ولا تجد غير وسيلة الدرون نساعدك لكن بالمقابل والمقابل هو جسدها.
من المسؤول؟ سؤال لا يحتمل التهرب لأن أسهل إجابة عند الكل (البنات هن المسؤولات ليه يرضين؟) لكن هذه الإجابة الجاهزة ليست سوى هروب من الحقيقة، لأن قبل نوجّه أصابع الاتهام نحو الفتيات يجب أن نسأل: هل الدرون نتيجة لمنظمة قيم انهارت أم انحراف لفتاة؟ أو كيفترك آلاف الفتيات دون معيل دون مورد ودون سقف يحميهن؟ من جعل الأمان سلعة والرحمة استثناء لمجتمع كان يفاخر بالقيم والدين والنخوة فإذا به اليوم يصمت أو يتواطأ أمام استغلال جنسي مغلف بكلمة دارجة خفيفة في غرف مغلقة في بيوت مفروشة في مكاتب عمل وفي سيارات معتمة تتكرر القصة نفسها عايزة شغل أو مال أو خدمة علي الفتاة مقايضة غير أخلاقية بإذلال مبطن وابتزاز يستغل الحاجة والفقر والخوف عليها بالدرون، والرجل يبرر لنفسه: هي موافق ما أجبرتها، لكن أي موافقة فهذه الفتاة لا تملك ثمن الخبز ولا ثمن المواصلات ولا مكاناً تنام فيه بسلام؟ فالموافقة تحت الإكراه ليست موافقة بل شكل من أشكال الاغتصاب المقنع.
لنتخيل بلا أسماء ولا تفاصيل صورة فتاة واحدة فقط من بين آلاف نزحت من حيها بسبب القصف أو فقدت أباها أو أخاها أو معيلها أو تعيش مع أم مريضة أو إخوة صغار بلا دخل بلا سند بلا دولة تحمي ولا قانون يطبق، تطرق أمامها أبواب كثيرة مغلقة حتى تفتح في وجهها أبواب مشروطة: نساعدك لكن وما بعد لكن هو الدرون، هل يمكن لمجتمع يملك بقية ضمير أن ينظر لهذه الفتاة على أنها خاطئة فقط؟ أم أن الخطأ الأكبر يقع على من جعلها تصل إلى هذا المنعطف القاتل بين الجوع والمهانة؟
فأهل السودان كيضرب بهم المثل في الشهامة في الستر في الوقوف مع الضعيف، لكن الحروب الطويلة الفقر وانتشار السلاح وضعف القانون كلها عوامل اشتغلت بصمت على تفكيك هذه الصورة.
الدرون ليس مجرد ممارسة فردية إنه مؤشر على هشاشة منظومة الحماية للفتيات والنساء وغياب النظم ومؤشر على تحول الرجولة من معنى الأخلاق والكرم إلى مجرد قدرة على الاستغلال، والامر مؤشر على مجتمع يصمت أو يضحك أو يكتفي بالهمس بدلاً من المواجهة والصمت شراكة في جريمة الدرون.
أين الإعلام من هذا المصطلح الجديد؟ أين المؤسسات الدينية من منابر المساجد والقيادات المجتمعية؟ أين الجمعيات النسوية ومنظمات المجتمع المدني؟ فهل الخوف من الفضيحة والسمعة جعل كثيرين يختارون الصمت لكن ما لا يقال لا يتوقف بل يتوحش فحين لا نسمي الاستغلال باسمه يصبح مقبولاً وحين لا نكشف آلياته يصير عادة وحين لا ندافع عن الضحايا نتركهم فريسة سهلة للجولة القادمة من الابتزاز، الإعلام الحقيقي لا يجمل الواقع بل يواجهه، والمجتمع الحي ليس ذلك الذي يدفن رأسه في الرمال بل الذي يجرؤ أن ينظر في المرآة حتى لو كان الوجه مشوّهاً.
ماذا نفعل أمام هذا السقوط؟ قد يبدو السؤال أكبر من قدرة فرد واحد، لكن التغيير يبدأ بخطوات صغيرة واضحة بكسر الصمت بالحديث عن الدرون بوضوح في الإعلام في المدارس في الجامعات في المنابر الدينية فالأمر ليس فضيحة بل حماية، لأن الدرون ليس شطارَة ولا ذكاء ولا علاقة عادية بل استغلال جنسي مبني على الحاجة والفقر ويجب التعامل معه كجريمة أخلاقية واجتماعية.
