د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com
حرب السودان تدخل عامها الرابع والبلاد تغرق أكثر فأكثر في مستنقع من الدماء والمعاناة بعد اكتمال السنوات الثلاث الأولى من النزاع، لم تتوقف آلة العنف فحسب بل تصاعدت معها أسوأ أزمة إنسانية يراها العالم في زمننا الحاضر ملايين مشردون، ومستشفيات منهوبة ومحاصيل محروقة وحياة تقبر بلا جنازات كريمة وطفولة تسرق من مستقبلها هذا ليس مجرد فشل إداري أو أخطاء تكتيكية، أنه انهيار متعمد لمؤسسات دولة تعمل الآن كساحة تصفية حسابات مسلحة على حساب شعب بأكمله
المشهد الدولي لم يبد أفضل حالاً قيادة دولية بقيادة الولايات المتحدة تبدو مترددة بين إدانة وشجب وفرض عقوبات انتقائية، من دون استراتيجية متكاملة أو ضغط سياسي دبلوماسي راسخ يفضي إلى تغيير فعلي على الأرض فالاجتماعات والتصريحات الرسمية صارت روتيناً يعيد التأكيد على أولوية السلام على الورق، بينما يفتقر الواقع إلى خطةٍ تمتص تداعيات النزاع وتمنع تجدد العنف هل عاد السودان إلى خانة «الحروب المنسية» بعدما تزايد عليه النسيان الدولي رغم عمق المأساة؟
ثمّة مسؤولية لا يمكن تجاهلها أمريكا وحلفاؤها ليسوا مجرد مراقبين محايدين سياسات إقليمية وتحالفات دولية وتيارات تسليح وتمويل، مرت عبر قنوات سياسية واقتصادية ساهمت في إبقاء أطراف النزاع قادرة على الاستمرار في القتال لذلك فإن القول بأن السلام أولوية دون مراجعة جذور السياسة الخارجية والدعم الدولي والأدوات التي تغذي النزاع مجرد كلام لا يداوي الجراح يجب الاعتراف بأن جزءاً من المشكلة دولي، وأن الحل لا يبدأ ولا ينتهي ببيانات الشجب
الطريق للخلاص يتطلب، أولاً وقفة حازمة من المجتمع الدولي: استراتيجية واضحة ومستمرة للضغط الدبلوماسي والاقتصادي، خطة لوقف تدفق الأسلحة والتمويل، وآليات محاسبة فعالة لأولئك الذين يرتكبون انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ثانياً يجب تمكين الوصول الإنساني الكامل والسريع إلى كل بقاع السودان، مع حماية للمدنيين والمؤسسات الأساسية، ثالثاً دعم عملية سياسية حقيقية يقودها السودانيون أنفسهم تشمل طرفي النزاع وكل مكونات المشهد الوطني، وتُفضي إلى تسوية تنهي حكم السلاح وتؤسس لمرحلة انتقالية عادلة ومضمونة
ولعل الأهم لا يكفي الآن أن يقال إن على الولايات المتحدة أن تفعل شيئاً المطلوب أن تترجم تصريحات الأولويات إلى خطوات عملية عزلة دبلوماسية واقعية للأطراف المعرقلة آليات ضغط موحدة مع الشركاء الإقليميين، وتقديم حوافز واضحة للتراجع عن الخيار العسكري والانتقال إلى طاولة التفاوض كما يتعين دعم مؤسسات المجتمع المدني السوداني والسلطات المحلية كي تكون شريكاً فاعلاً في أي حل، لا طرفاً هامشياً تُفرض عليه حلولٌ من الخارج
السودان اليوم يحتاج إلى أكثر من تعاطف عابر أو بيانات تنديد يحتاج إلى إرادة دولية حقيقية إلى ضغط منظم ومؤثر إلى التزام دولي طويل الأمد بإعادة بناء دولة مدنية حامية لمواطنيها وإلى أن يتحول الكلام الدبلوماسي إلى خطوات ملموسة سيبقى السؤال قائماً هل نريد فعلاً إنهاء معاناة الشعب السوداني، أم نكتفي بلعب أدوار إعلامية بينما تسير البلاد نحو المزيد من الدمار؟ السلام واجب أخلاقي وإنساني قبل أن يكون هدفاً سياسياً وعلى المجتمع الدولي وبالذات قوى القرار الكبرى أن يختاروا بين أن يكونوا جزءاً من الحل أو أن يحاسبهم التاريخ على كونهم جزءاً من المشكلة السودان لا يحتمل المزيد من الانتظار
