د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com
أضحى ترامب في موقع المتراجع أمام ديناميكية متصاعدة لقوى المقاومة الشعبية الأمريكية بعد أن راهن خلالها البيت الأبيض على سياسة الضغط الأقصى والعقوبات والتهديدات العسكرية لفرض معادلات جديدة على الأرض مستنداً علي إستراتيجية صراع الحضارات، فمنذ اليوم الأول لتولي ترامب السلطة، حاول أن يرسم ملامح أمريكية في الشرق الأوسط تقوم على إخضاع الخصوم وجر الحلفاء في صفقات سياسية وأمنية واقتصادية تعيد تشكيل الخريطة بما يتوافق مع رؤية واشنطن وتل أبيب، غير أن ما يجري الآن يكشف مسارات داخلية بأمريكا وخارجية بالعالم مختلفة ادت الي تآكل الاستقرار الأمريكي المواجهة للتحديات الداخلية التي قد تؤدي إلى تغيير مطابخ وغذاء أمريكا السياسي.

أراد ترامب من سياسة العقوبات الخانقة أن تدفع قوى المقاومة إلى التراجع إلى الداخل والانشغال بجبهاتها الداخلية، غير أنّ النتائج جاءت معاكسة. فبدل أن تضعف هذه القوى،حيث  شهدت بنيت المقاومة الشعبية الداخلية المسنودة بالفواعل التنظيمية والعسكرية حالة من التماسك والتطور، وزاد شعبيتها خاصة في قطاعات واسعة من الشعوب العربية والإسلامية كعنوان للصمود في وجه الإملاءات الترامبية، في أكثر من ميدان  من أمريكا  إلى فلسطين إلى لبنان وصولًا إلى ساحات أخرى في العالم، وبات المخططون في واشنطن وتل أبيب يحسبون بدقة ثمن أي خطوة عسكرية، بعدما أثبتت التحركات الأخيرة لن تكون رمزية، بل مواجهة قادرة على إرباك مراكز الثقل الأمريكي فلم تعد المقاومة الشعبية الأمريكية ورقة ضغط بل لاعب مركزي في معادلة الأمن الإقليمي.
تجربة ترامب مع ملفّ المقاومة أظهرت بوضوح حدود القوة الأميركية في بيئة دولية معقّدة، فالسلاح والعقوبات ليسا كافيين حين تفتقد واشنطن إلى مشروع سياسي مقنع وحين تجابهها قوى تمتلك روايتها الخاصة وعمقها الشعبيوشبكة تحالفات تتجاوز حدود الدولة الواحدة.
سيغادر ترامب البيت الأبيض، لكن الأثر الأهم لسنوات حكمه بقي في مكان آخر في تكريس حقيقة أن منطق الإملاءات لم يعد مجدي أمام قوى فرضت حضورها بالقوة والشرعية، ديناميكية المقاومة التي واجهت سياسات ترامب لم تكتفِ بإفشال مشاريعه بل أسست لمرحلة جديدة تقاس فيها قوة القرارات الأميركية بقدرتها على التكيّف معادلات الردع والواقع على الأرض، لا بقدرتها على فرض الأمر الواقع من طرف واحد، بهذا المعنى لم يكن تراجع ترامب مجرد انكسار سياسي عابر بل اعتراف غير معلن بأن زمن الهيمنة المطلقة تتآكل أمام خرائط جديدة ترسمها قوى تعرف كيف تقاتل، وكيف تصمد، وكيف تُفاوض من موقع الندّية لا التبعية.