د.حيدر البدري
في الوقت الذي تشتعل فيه المنطقة العربية بنيران حرب غير مسبوقة، وتتعرض فيه دول الخليج العربي لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة من إيران بشكل يومي، يبرز سؤال محوري: أين جامعة الدول العربية من هذه الأحداث؟ وأين دورها المفترض كحامية للأمن القومي العربي؟..
ناهيك عن راي هذه الجامعة في الحرب نفسها…
اليست ايران دولة اسلامية.. تقاتل اسرائيل؟.
ما نشهده اليوم ليس مجرد عجز عابر، بل أزمة هيكلية عميقة تعاني منها الجامعة العربية منذ تأسيسها قبل نحو ثمانية عقود. فبينما تُقصف العواصم العربية وتُستهدف السيادة الوطنية، تبقى الجامعة صامتة أو عاجزة، ما يثير تساؤلات حول جدوى وجودها والحاجة الملحة إلى بدائل أكثر فعالية.
منذ تأسيسها في القاهرة عام 1945، ارتبطت جامعة الدول العربية ارتباطاً وثيقاً بمصر، لدرجة جعلت العديد من المراقبين يصفونها بـ”الجامعة المصرية”. فالمقر الدائم للجامعة موجود في القاهرة، وجميع الأمناء العامين الثمانية الذين تعاقبوا على إدارة الجامعة كانوا من مصر، بدءاً من عبد الرحمن عزام وصولاً إلى الأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط .
هذه الهيمنة المصرية على منصب الأمانة العامة أثارت مؤخراً جدلاً واسعاً، حيث طالب كتاب وسياسيون سعوديون بنقل مقر الجامعة إلى الرياض وترشيح شخصية سعودية لتولي الأمانة العامة بعد انتهاء ولاية أبو الغيط في عام 2026 . ويرى هؤلاء أن التحولات الإقليمية الكبرى، وصعود دور دول الخليج كفاعل رئيسي في المنطقة، يستدعي إعادة توزيع الأدوار داخل مؤسسات الجامعة.
هذه المطالبات تعكس أزمة ثقة أعمق، حيث أن “الجامعة تعاني من شلل عميق، وضعفها لا ينبع من موقعها الجغرافي بقدر ما ينبع من فشل جماعي تعاني منه جميع الدول العربية، خاصة الكبرى منها”
على مدى العقود الماضية، ظلت الجامعة العربية أسيرة خلافاتها الداخلية والشقاق المذهبي والسياسي. ففي قمة شرم الشيخ عام 2015 التي أعلنت عن تشكيل “قوة عربية موحدة” لمواجهة التحديات الأمنية، كانت ردود الفعل متباينة، حيث أعربت العراق ولبنان عن تحفظاتهما بسبب الانعكاسات الطائفية المحتملة .
ويرى محللون أن القوة العربية المعلنة تحولت عملياً إلى “أداة طائفية سنية” تعزز الاستقطاب بدلاً من معالجته، حيث استُبعدت الشيعة العرب في العراق ولبنان من قلب القرار .
وحتى هذه القوة -التي كان من المفترض أن تضم 40 ألف جندي- بقيت حبراً على ورق، لتثبت من جديد أن الجامعة العربية تفتقر إلى آليات التنفيذ الفعالة وتظل أسيرة مبدأ الإجماع الذي يشل حركتها.
مع تزايد الإحباط من الجامعة العربية، عادت فكرة تشكيل تكتل عسكري إسلامي يشبه حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى الواجهة بقوة. ففي أعقاب الغارات الإسرائيلية على الدوحة في سبتمبر 2025، دعا قادة عرب وإسلاميون في قمة طارئة إلى إنشاء تحالف دفاعي مشترك .
وقدّمت مصر، التي تمتلك أكبر جيش في العالم العربي، مقترحاً متكاملاً لتشكيل هذه القوة، حيث عرضت المساهمة بـ20 ألف جندي في المرحلة الأولى، وجعل مقر القيادة في القاهرة، مع تولي ضابط مصري برتبة فريق أول قيادة القوة، على أن يتناوب على القيادة أعضاء الجامعة العربية الـ22 .
من جهتها، أبدت السعودية استعدادها لتوفير التمويل الرئيسي لهذه القوة، بينما انضمت دول أخرى مثل الأردن والإمارات والكويت للمبادرة .
لكن الطموحات الأوسع ذهبت إلى تشكيل “ناتو إسلامي” يضم الدول الإسلامية الـ57، بدعم من باكستان التي تمتلك ترسانة نووية وتستطيع أن تكون “محور” أي تحالف دفاعي إسلامي . وفي هذا السياق، دعا وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف إلى تشكيل “ناتو إسلامي” لمواجهة التحديات المشتركة، مشدداً على أن الهدف يجب أن يكون الدفاع المتبادل وليس استهداف أي دولة بعينها .
رغم الحماسة التي قوبلت بها فكرة “الناتو العربي” أو “الناتو الإسلامي”، يواجه هذا المشروع عقبات جمة:
أولاً: الانقسامات المذهبية والسياسية. فالمبادرة التي طرحت في قمة الدوحة شهدت تبايناً في المواقف بين مصر التي تريد “ناتواً عربياً” وإيران التي تفضل صيغة إسلامية أوسع .
ثانياً: السيادة الوطنية. تشكيل تحالف دفاعي مشترك يتطلب من الدول التنازل عن جزء من سيادتها في الملف العسكري، وهو أمر يرتبط بصلب السيادة الوطنية ويواجه مقاومة داخلية في العديد من الدول .
ثالثاً: التداخل مع التحالفات القائمة. فالعديد من الدول العربية لديها ارتباطات وثيقة مع الولايات المتحدة، التي تبقى الحليف الأمني الرئيسي للخليج، مع وجود نحو 40 ألف جندي أميركي في المنطقة .
ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً في هذه المرحلة الحرجة هو: أين العرب والمسلمون من مصيرهم؟
ما تمر به المنطقة اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة تاريخية فارقة تتطلب قرارات جريئة. فالجامعة العربية بهيكلها الحالي أثبتت مراراً عدم قدرتها على لعب دور فعال في حماية الأمن القومي العربي، بدءاً من حروبها الفاشلة مع إسرائيل، وصولاً إلى عجزها الحالي عن مواجهة التهديدات الإيرانية المباشرة.
لكن ربما آن الأوان للانتقال من مرحلة الإصلاح إلى مرحلة البحث عن بدائل أكثر واقعية وفعالية. فإما أن تتحول الجامعة العربية إلى مؤسسة تمتلك آليات تنفيذية حقيقية، أو أن تفسح المجال أمام تكتلات إقليمية أكثر قدرة على الاستجابة السريعة للتحديات الأمنية، مثل “الناتو الإسلامي” الذي بات ضرورة استراتيجية أكثر من كونه مجرد فكرة طموحة.
نقطة سطر جديد.
